الميناء وليمونة “أحمد”.

رينيه أنطون - 23 أيلول 2026

لستُ معنيًّا بأمر الخلافات البلدية في المدينة، أيًّا كانت قضاياها وأسبابها وأبعادها. ولا أملك من المعطيات بشأنها ما يجعلني أحكم بسلامة موقف هذا أو ذاك من أطرافها.
لكنّي معنيٌّ، وفي الصميم، بما يخصّ هويّة مدينتي وسلامها وتاريخها، وطيبة أهلها، وتمسّكهم بما به تتجلّى وحدة أبنائها. لستُ معنيًّا بالخلافات، لكنّي، بالتأكيد، معنيٌّ، بما يشوّه جمالَ التقاليد، المولودة من رحِم التعدّدية وسِحر التاريخ القريب فيها.
لهذا، يجرحني كلّ ما يوحي، في مواقع التواصل، بتغرّب المدينة، لا عن تاريخها، بل عن ذاتها، بحقٍّ كان الإيحاء أو بغير حقّ.
____________________
وللعِلم…
كنّا أطفالًا. وكان بيتنا بسيطًا يلتحف أرض زاقوقٍ في المدينة. كان عامل التنظيفات، المعنيّ بحارتنا، من غير ديننا، لكنه كان ينشد، يوميًا، الراحة في فيء عتبة بيتنا. كانت الوالدة تنتظر قدومه لتقطّع الليمونة التي تحفظها، مبرّدةً، له قبل ليمونتنا.
بقيت هذه الحال حتى ذلك اليوم الذي لم يأتِ فيه “أحمد”، وحلّ بدلًا عنه مَن هو من ديننا. لم يَعنِ البديل، مرّةً، نشودَ الراحة على باب بيتنا، ولم يَعنِ والدتنا حفظَ الليمونة، مبرّدةً، له قبل ليمونتنا. عناها، فقط، أن نستهويَ، نحن، تقطيعَها وأكلَها بالشكل الذي كان يستهويه “أحمد”. وهو ما نحن عليه إلى اليوم، ليس تلذّذًا بالليمونة وحسب، وإنّما، أيضًا، تحيّةً لروح أمّنا، ولروح “أحمد”.
____________________
أيضًا، كنّا أطفالًا. كانت نساء الحارة يتسابقنَ في الأسبوع الذي يسبق الفصح إلى حجز أدوارهنّ في الفرن المجاور، مشترطاتٍ ألّا يخبز معمول العيد لهنّ غيرُ أحمد.
كان أحمد لطيفًا، صبورًا، يواجه انتقاد النسوة له وصراخهنّ عليه، لسببٍ أو لآخر، بطأطأة رأسٍ وصمتٍ وابتسامة.
أما ليلًا، فكان يعود إلى بيته منهكًا، محمّلًا بأتعابه ومعمول الفصح، ومدعوًّا إلى أن ينطق، بعد العيد، بأحرج ما يواجه قاضيًا من أحكام، بالحكم بأيٍّ من معمول النسوة كان هو الأطيب.
بعد سنوات، أُقفِل الفرن وغاب أحمد. غاب طويلًا. وذات يومٍ من العام 2015، صادفته يترنّح، بسبب الشيخوخة، في أحد أزقّة المدينة. فرحت روحي، وبادرت إلى تحيّته دون أن أنال منه ما كفاني من جواب. حينها سارعت إلى المنزل، وعقدتُ محكمة الذاكرة، ونطقتُ، أنا، بحُكمي عليه، فكنّيته “بأحمد الفصحيّ”.
____________________
وكنّا شبابًا. اندلعت الحرب. انقسم الوطن ما بين فئتين، غلب على المنتمين إلى كلٍّ منهما دينٌ مختلف عن الآخر. كَبُرت الأحقاد، وكثُر الموت، واحتجبت الضمائر. كنّا قد بلغنا من العُمر ما يكفي لتطبعَ المدينة هويّتها فينا، وعناوين الوفاء لها على جباهنا. وكنا بلغنا من العمر ما يكفي لتخترقَ حركة الشبيبة الأرثوذكسيّة في الميناء عظامنا، وتحفرَ فيها ما حفرَت؛ الإنجيل لا الطائفة، البسطاء لا النافذين، الفقراء لا الأغنياء، الضعفاء لا الأقوياء، العدالة لا الظلم، المشاركة لا الاستئثار، الشورى لا التسلّط، اللاعنف لا العنف، الانفتاح والآخر لا الانغلاق ونحن، إنسان الوطن لا زعيم الطائفة، الدولة المدنية لا النظام الطائفيّ.
وكان فلّاح البشر كوستي بندلي، الذي زيّنت المدينة أحد شوارعها باسمه، يحمل مِعول الحفر هذا، وكان آخرون، معه، يتولّون رفع الردم من هياكلنا.
ولحين أن اكتملت الورشة فينا، كنّا قد أخطأنا مرةً هنا ومرةً هناك، لكنّنا انتهينا إلى ضياء ما هو بعيدٌ عن ظلمة الحروب. انتهينا إلى قضيّةٍ غير قضايا تلك الحرب، وإلى لونٍ غير الألوان المعتادة، وشريحةٍ لا تنضوي في كنف الزعماء أو تُعرَف بفئةٍ من فئات. انتهينا شريحةً زاهدةً بما في الأرض من مصالح و”حقوق”، تبحث عن زعيمٍ يتمثّل بسيّدها في السماء، فضائلَ وخدمةً وتخلّيًا وانحيازًا للحقّ وفداءً للناس. انتهينا شريحةَ مجانين بعيون المتصارعين.
______________________
كنّا شبابًا، وكانت الحرب أيضًا. قيل لنا إنّ المدينة تتهدّدها أزمة الخبز والطحين، فاندفعنا إلى الأفران أشخاصًا وحركةً ونوادٍ وكشّافًا وجمعيات. كان لكلٍّ منا دينه، لكن لنا جميعًا مدينتنا.
يومها نظّمنا، وعجنّا، وخمّرنا العجين بروح الوحدة، وصهرنا الطائفية في الأفران. وكان هذا لنبقى متذوّقين أبدًا، لا لطيب الخبز، بل لما يُطيّب الحياة، لطيب الآخر.
وقيل لنا، أيضًا، إنّ المدينة تتهدّدها الفتن، وإنّ على الجميع الانتباه والتحلّي بالحكمة لتلافي الاحتراق بها. فسارعنا من جوار الكنائس إلى حراسة الجوامع، وسارع “أحمد” ورفاقه، من جوار الجوامع إلى حراسة الكنائس. هذا لم يكن مسعىً من كلٍّ منا إلى حماية أماكن القداسة في ضمير الآخر. أبدًا، هذا كان صونًا من كلٍّ منا لفرادة المدينة وسرّ الفرح في حياته.
_____________________
تكثر في الميناء كهذه من “كنّا وكنّا”، دون أن تكفي لها الصفحات. المهمّ أن تكثر فيها، اليوم، “نبقى ونبقى”، ليستحقّ كلٌّ منا ميناءه.
عُذرًا كثيرًا على الاطالة، لكن من الظروف ما يقتضي.
_________________________________________
للتعليق على الموقع أو أيّ من المقالات فيه : اضغط هنا