هيدا الأبونا قدّيس ¹
رينيه أنطون
مجلّة النور - العدد الثالث 2020
"نيّالكم فيه"
كلّ
ما يُشهَد له به مذ كان كاهنًا يوهِم بأنّه يفوق قدراتنا البشريّة وعقلانيّتنا
الإنسانيّة. في حين أنّما عاشه «بولس بندلي» إنّما، في حقيقته، هو عابرٌ لمفاهيمنا
وقواعد عيشنا ليس إلّا. يمرّ بهذه المفاهيم والقواعد من دون أن يزدريها أو يتوقّف
أمامها في آن، فهُنا سرّ الحرّيّة. وهذا لم يكن لكونه من نسيجٍ يختلف عن نسيج كلّ
منّا، وإنّما لكون ما نسجَه من علاقةٍ بسيّد السماء وكلماتِ إنجيله، هو ما يتمايز
ويختلف عمّا نكون قد نَسجناه نحن.
نحن،
جميعًا، أوجِدنا في الأرض للغاية التي من أجلها أوجِد هوَ. لغاية أن نكون رُسلًا
ندعو النفوس، ونرافقها، في حَجِّها إلى الوجه الذي منه أتَت وأتينا. الدعوة هذه
سبيلُها أن نُغري الإنسان بجمالٍ أودَعنا اللَّه بذرتَه يوم نفخَ فينا من روحه.
جمالٌ غريب عمّا ظُنَّ لنا جمالًا في الأرض. هو جمالٌ مولودٌ من وجه ربّ موجوع على
الصليب، وآهات أطلقَها، بها لُحِّنت أناشيد الظفر.
ما
تمايز به بولس بندلي، وغيره من رجال اللَّه، أنّهم انشغَلوا بسقيِ تلك البذرة حتّى
صارت فيهم حنطةً إلهيّة لا تملأ أحشاءَهم وحسب، بل تُشبِع نفوسهم وتُطربها. أمّا،
نحن الآخرين، فلعلّنا شُغلنا عن سقيها إلى أن وَضُعت فينا ويبست. شُغِلنا عنها بما
يُشبع الأمعاء والشهوات وحسب.
من
هذا المطلّ على علاقة مكانةِ ما للَّه فيه تُفهَم هذه الشهادة ببولس بندلي وتتضّح
كسائر حكاياته والفقراء. هي، عكس ما نعتقد، تكشف ما فيه من قوّة وتكشف ما فينا من
ضُعف. تكشف ما فيه من ثقة بالربّ وإنجيله، وما دفعته إليه، هذه الثقة، من تسليم.
فحروفُ هذه الشهادة لا تُقَزَّم وتُقرأ عطاءً وفعلَ رحمةٍ وحسب. الصحيح أن نقرأها
بكلّ ما فيها. أن نقرأها تخلّيًا، كلّيًّا، وثقةً بأنَّ بعدَ التخلّي لن يكون من
فقرٍ وتعبٍ وجوع وإنّما سيكون للَّه، حتمًا، تدبيره. لأن ليس من شأنٍ يُفرحُ
المحبّة قدرَ ما تُفرحُها المحبّة. لهذا ترى الأسقف، أيقونة الربّ، قد أعطىَ كلّ
شيء للمسكين. أعطاه كلّ ما معه، وسار واثقًا، مصطحبًا إيّاه والشاهد معًا إلى حيث
كلَّفه اللَّه بأن يرافقهما.
في
هذه الشهادة، اصطحب بولس بندلي المسكينَ إلى حيث طرُبت نفسه وعاينَ أنّ فقرَه
يُشتهى. واصطحب الشاهدَ إلى حيث يصير التخلّي مُلكًا وفعلَ الرحمة مُبتغى. أمّا هو
فأكملَ سيره إلى حيث يزيد اطمئنانه إلى فرحِ وجه ربّه يومَ سيمثل أمامه، والذي من
نثراتِه شبعَ في الأرض وكان له كلّ الفرح.
كما أمر القدّيس يوحنّا الرحيم أن يُعطى الفقراء كلّ ما تدخّر في الصندوق، وكان ثمانية الآف ذهبيّة، أمرَ بولس بندلي ذاته بأن تُعطي المسكين كلّ ما تدخّر لديها، وكان ربعَ ليرة، أو ربعًا وما يزيد عن الربع بقليل. المهمّ أنّه، كالرحيم، لم يحتفظ لنفسه بما للغد. قال الغد للَّه، لا بل ليسَ الغد وإنّما، تركَ شأنَ بعد دقيقةٍ للَّه. وكما أعلن البطريرك غوريغوريوس الرابع (حدّاد) أنّ الفقرَ، أيًّا كان دين الفقراء، طائفةُ السماء في الأرض، لبّى بولس يندلي وأعطى ابن الطائفة هذه، من دون سؤالٍ عن دين، ما همس فيه السيّد أن يُعطي، أعطاه كلّ ما ملك.
______
➊ تعليق على الشهادة التالية المنشورة في العدد نفسه:
"فادي بيطار- ميناء طرابلس":
قصّة رواها لي أبي منذ سنوات عن المطران بولس بندلي، قبل وفاته، وهذه شهادة من سائق سيّارة أجرة من أبناء مدينة الميناء في طرابلس.
في يوم عاصف وممطر في مدينة طرابلس، تحديدًا «التلّ»، كان «أبونا بولس» عائدًا إلى الميناء؛ فذهب إلى موقف سيّارات الأجرة قرب «السرايا العتيقة»، فقعد في السيّارة ينتظر مع السائق حتّى يكتمل عدد الركّاب وينطلق إلى الميناء... في هذا الوقت، مرّ رجل فقير طالبًا المال من الركّاب، فلم يكترثوا له. فما كان من الـ«أبونا» إلّا أن أَعطاه المال، وذهب الفقير... في هذا الوقت قال الأب بولس للسائق إنّه نسي غرضًا في أَحد المحالّ وعليه أن يذهب ويسترجعه. نزل الأب بولس من سيّارة الأجرة وذهب... بعد وقت، فيما سائق الأجرة متجّه نحو الميناء، رأى كاهنًا ماشيًا سيرًا على قَدمَيه تحت المطر والعاصفة باتّجاه الميناء. فما كان من السائق إلّا أن وقف ليرى ما إذا كان هو الأبونا الذي كان معه في السيّارة!! فكان الأب بولس هو بحدّ ذاته، فعرف السائق أنّ «الأبونا» ما عاد لديه المال الكافي للعودة إلى الميناء، لأنّه أعطى كلّ ما عنده، الربع ليرة، للفقير. فتوقّف السائق وأصرّ على الأبونا أن يصعد معه حتّى لو ما عاد لديه المال وأَوصَلَه إلى منزله.
وأحبّ أن أذكر أنّ هذا السائق ليس من الديانة المسيحيّة ولكنّه قال لأبي :
«هيدا الأبونا قدّيس... نيّالكم فيه...»