القتلُ الرابع
رينيه أنطون - 11 أيّار 2026
في النبطية، يوم السبت الماضي، لاحقت مسيّرة صهيونيّة أبًا وطفلته. أسمّي الطفلة مجازًا "وردة الجلجلة".
تفرّق الاثنان، بطلب من الأب، لئلا يستشهدا معًا. استشهد الأب، واستمرت المسيّرة في ملاحقة الطفلة إلى أن قَتلتها. اجتهدت بعض وكالات الأنباء بالقول أنّ الابنة قُتلت ثلاثة مرّات، الأولى حين استشهد الأب، الثانية حين استشهدت هي، والثالثة حين صمَت المسؤولون وأهل المجتمع، الصمتَ المعتاد، ولم يرفعوا الجريمة كقضيّة عالميّة أمام المحاكم الدوليّة.
لكنّ الأهمّ، برأيي، أن قتلًا رابعًا، أهمّ وأشدّ وأعنَف، أصابَها. أصابها لمّا غفل قومٌ عن رفعها كقضيّة إلهيّة أمام محاكم السماء. أصابها لمّا غابَت عجيبةُ دمعٍ يسيل من عيونِ طفلةٍ غافية عن عيونِ مؤمنين أبناء. أصابها لمّا غابَ ركضُها، فرًّا من الاجرام، وهلَعُها وقهرُها وما سبقَ وأصابَ رفاقها الأطفال وأمّهاتهم وأشقّائهم وشقيقاتهم وآبائهم، عن ضمائر وقلوب وعقول واهتمامات وصلوات وقداديس مؤمنين أبناء.
هذه الواقعة أحالتني إلى شأنين:
الأوّل، يختصّ بحركة الشبيبة الأرثوذكسيّة. وأنطلق ممّا أبرزه كوستي بندلي، في وثيقته الثمينة الشأن "الأرض والملكوت" المنشورة في هذه الصفحة، والتي تحكي نشوءَ الفكر الاجتماعيّ وتطوّره في الحركة. أعني ما أبرزه حول ما كانَ، في تاريخ الحركة، من ارتكاضٍ بالقضايا العامّة وتمخّضات وإفرازات من حيويّة تفكير وتساؤلات ونقاشات و"اختلافات"، الأمر الذي جسّد، برأيي، حضورَ المسيح الحيّ فيها، وحسبَ تحدّيات الزمن في حينه،
ورغم علمي بِكَم يرتبط هذا الشأن بمقدار الوعي، عامّةً، وخصوصًا وعي أبعاد الالتزام النهضوي ومركزيّة كلّ من الأبعاد في هذا الالتزام، وضعف هذا الوعي، اليوم، وأسبابه المتراكمة، أقول: إنْ لم توقظ فينا مآسٍ كهذه الحسَّ الشهادي، ويرتكض هذا الحسّ فينا بفعل هكذا إجرام وظلم، وإنْ لم تُحرّكنا هذه الانتهاكات نحوَ أن ننتفض على استسلامنا لغربة مشهودةٍ عن أحداث أرضنا وتَسَتّرِنا خلف غيوم السماء، أوَعَينا الأمرَ أم لم نَعه، وإنْ لم يُلهمنا كلّ هذا إلى يقظةٍ اليوم، تربويّة خصوصًا، تجسّدها مبادرات، فلن تكون لنا فرصة وعي بَعد. ما يرضي الربّ في التزامنا، اليوم، هو، في يقيني، هذه اليقظة. وفِعلُ المحبّة، الذي يشكّل ركيزة خطابنا، لا توصيف له، اليوم، ولا تصريف، غير هي.
والثاني، يختصّ بالكنيسة. وأنطلق من مبادراتٍ إيجابيّة لبعض الكهنة، ومنهم كهنة رعيّتي، لاضافة بعض طِلبات في الذبيحة الالهيّة، وبحقّ، تختّص بالمُعانين من أمراضٍ مستعصيّة وضحايا كوارث طارئة وما إلى ذلك. أنطلق، من هذا، مُثنيًا ولأضيف أن ليس من معاناة أو كوارث إنسانيّة تفوق أن يستشهد الاطفال والنساء مُطاردين من آلات الظلم والرعب والاجرام. وليس، في قناعتي، ما يمنع أقلّه، أن نذكر في كلّ ذبيحة إلهيّة جرحى وضحايا وشهداء هذه الحرب علينا، وهذا حتى انتهائها، وما يرجو أقرب نهاية لها، نهاية يتجلّى فيها كلّ ما هو عدل وحقّ.
ليس هذا قَط لتتجلّى عنايتنا كمؤمنين، أو إرادتنا في أن نكون معنيّين، بما يُصيب الإنسان في وطننا اليوم، وإنّما ليتجلّى، كذلك، تململنا من إلفةِ مشاهد الأطفال والدماء المستباحة، وإنْ ألفناها، وممّا يأسر المسيح في قوالب جامدة، فينا، وإنْ أسرناه، وممّا يُحنّط الايمان في قلوبنا، وإنْ كنّا لهذا نرتاح. وربّما الأهمّ، لتعرف"وردة الجلجلة" لما أنهَضها مسيحُنا وصارَ بها "زهرةَ سماء".