كيف نقرأ الآباء ؟


الأب ميخائيل (وليد) الدبس

آباؤنا كيف نقرأهم؟

لمحة تاريخيّة:

"نحن باتّباعنا الآباء القدّيسين" [1]، عبارة كانت تبدأ بها النصوص العقائديّة في الكنيسة القديمة، وبها بدأت بنود المجمع المسكونيّ السابع، فبدأت بالجملة التالية: "نحن، باتّباعنا لتعاليم آبائنا القدّيسين المسلّمة لنا من الله ولتسليم الكنيسة الجامعة" [2]. أوّل ما يتبدّى لنا من هاتين الجملتين هو الفضل الكبير لمن سُمّوا "آباء" في تسليمنا الإيمان المستقيم. متى بدأ استعمال هذه الكلمة، بمعناها الوارد في الجملتين المذكورتين؟

في القرون الثلاثة الأولى كان التركيز على الكتاب المقدّس والحقبة الرسوليّة التي كانت، زمنياً، أقرب إلى الذاكرة البشريّة ولا يفصل بينها وبين الرسل أكثر من جيلين أو ثلاثة. فالتّركيز، في حفظ الإيمان، كان على مضمون الكرازة الرسوليّة التي كانت تُسلّم من جيل لآخر ضمن حقبة زمنيّة لا تتعدّى 200 عام.

مع الابتعاد الزمنيّ عن الحقبة الرسوليّة غدت الأمور أكثر تعقيداً، وصار لا بدَّ من الاعتماد على حلقات وصل بين كرازة الرسل والأجيال اللاحقة، وقد تكاثرت بينها أشكال البدع والانحرافات. ضمن هذا السياق، بدأ يظهر، لأوّل مرّة ورسمياً، مبدأ استدعاء سلطة "الآباء" كشهود على استمرار الحياة الرسوليّة من جيل لآخر. فظهر، بدءاً من القرن الثالث، مثنى "الرسل والآباء".

مع بداية تشكّل قانون العهد الجديد إضافة إلى العهد القديم واعتبارهما أساساً للإيمان، وبسبب استشهاد الهراطقة بهما كسند لتعليمهم، برزت مسألة التفسير المستقيم والمناسب للكتاب المقدّس. فنشأ مثنى ثانٍ هو "الكتاب والآباء" واعتُبر الأشخاص الذين برزوا في تفسير الكتاب آباء ومعلّمين بامتياز.

استُعملت عبارة "آباء"، من حين لآخر، من قبل الكتّاب الكنسيّين الأوائل حتى غدا الاستشهاد بهم علامة فارقة للنقاش اللاهوتيّ خلال حقبة المجامع المسكونيّة. كانت تعني، بدءاً وببساطة، معلّمي الكنيسة، ثم تحولت إلى لقب للأساقفة كونهم المعلّمين الرسميّين للإيمان والشهود له. بعد ذلك استُعملت للدّلالة على أساقفة المجامع. القاسم المشترك لهذه الحالات هو الوظيفة التعليميّة الضامنة لاستقامة العقيدة وتعليم الرسل والتفسير السليم للكتاب المقدس في وجه التفاسير المنحرفة [3].

آباء الكنيسة:

انطلاقاً ممّا ذُكر، لا تُعتبر مسألة الالتزام بتعاليم الآباء وجهة نظر، يختلف حولها أرثوذكسيّ مع أرثوذكسيّ آخر. فتعاليمهم ليست تعاليم أفراد أو مفكّرين يمثّلون شخصهم، بل هم قنوات الروح القدس في المجامع الكنسيّة وملهموها والناطقون باسمها. لذا سُمّوا، على مرِّ العصور، آباء الكنيسة. هم ليسوا آباء لبنوّة مجرّدة، بل لبنين ولدوا من "الماء والروح"، بنين لا يفصم وحدتهم تعاقب عصور أو موت جسديّ. هم جسد المسيح الممتدّ على مدى الزمان وإلى الأبد.

فالماضي والحاضر والمستقبل يختصرون في حاضر المسيح، "يسوع المسيح هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد" (عب 13: 8). هنا تنكشف لنا حيويّة الفكر الآبائيّ وخاصيّته الأبديّة العابرة للزمن. هذه مسلّمة من مسلّمات الفكر المسيحيّ الأرثوذكسيّ. وما حضُّ الكنيسة لأبنائها على قراءة مؤلفات الآباء ودراستها والاستشهاد بها والعودة إليها لاستشراف حلول لمشاكلها إلا انعكاساً لرسوخ هذه المسلّمة.

ومع إحياء التراث الآبائيّ في كنيستنا، منذ بداية النصف الثاني من القرن الماضي، بدأت تظهر مشكلة في التعامل مع النتاج الآبائيّ، مشكلة قائمة حول نظرتين مختلفتين لمؤلّفات الآباء القدّيسين وكيفيّة قراءتها والاستشهاد بها. قبل أن نلج مسألة هذا الاختلاف لا بدّ من أن نوضح بعض القواعد الأساس في نظرتنا للآباء.

قواعد عامّة:

1- لا بدّ من التمييز بين تسمية "آباء" وتسمية "قدّيسين": لا نعتبر هذا التمييز تمييزاً نوعياً بل هو تمايز مواهبيّ. الآباء هم حكماً قدّيسون، ولكن ليس بالضرورة كل القدّيسين "آباء" بالمعنى التّقنيّ-المواهبيّ الذي أوردناه في بداية هذه الورقة. فتمايز القدّيسين عن بعضهم دفع الكنيسة إلى تصنيفهم في مراتب متعدِّدة. وهذا ما يبدو واضحاً في ذبيحة القدّاس، التي يعدّها الكاهن، من خلال الطّغمات التسع التي يقتطعها الكاهن من القربان ويضعها عن يسار الحمل.

كلامنا في هذه الورقة هو على الآباء، أي أولئك القدّيسين الذين كان لهم الدّور الأوّل في حفظ الإيمان وصياغة العقائد وتفسير الكتاب. قد جمعوا في شخصيّاتهم خصائص ثلاث: (1) المعرفة العلميّة والإلهيّة. (2) الفضيلة. (3) محبّة المسيح ومحبّة كنيسته. أضف إليها خاصيّة رابعة لم تشمل مجمل الآباء وهي "الأسقفيّة الرعويّة." في هذه الخصائص تكمن فرادة الآباء وتمايزهم عن باقي القدّيسين.

2- لم يكن مجمل نتاج الآباء الفكريّ نتيجة ترف علميّ أو أدبيّ: بل كان وليد حاجة رعائيّة، وفي بعض الأحيان تعبيراً ذاتياً عن عشق إلهيّ غمر كيانهم فعبّروا عنه أدباً وشعراً (أشعار غريغوريوس اللّاهوتيّ وسمعان اللّاهوتيّ الحديث وغيرهم). فهم لم يتصنّعوا الكتابة أو الوعظ، وما فكّروا يوماً أنّ عظمتهم ستكون على قدر ما تركوا من آثار كتابيّة. لذا لم يعالجوا من المشاكل والقضايا إلا ما مسّ حياة المؤمنين وخلاصهم. همّهم الوحيد كان محبّة المسيح ومحبّة كنيسته. لذا يجب ألا ننتظر من مؤلّفاتهم حلولاً جاهزة لكلّ المسائل والمواضيع الكنسية والاجتماعيّة التي تواجهنا اليوم. كما يجب ألا نستغرب عدم استشهاد أحدهم، اليوم، بجمل من الآباء عند معالجته لمشكلة، تمسّ حياة المؤمنين في عصرنا، لم تُطرح في عصر أيّ من الآباء (موضوع الجنس مثلاً). فالعودة إلى الآباء والاستشهاد بهم لا يعفيان من يُعلّم ويرعى من مشقّة البحث واستنباط الحلول التي تلائم الإيمان المسيحيّ من جهة، وحاضر هذا العصر من جهة أخرى.

3- الإبداع ميِّزة بارزة في النتاج الآبائيّ: لا بل إننا لا نبالغ إذا أقصينا صفة "آبائيّ" عن كلّ تعليم أو نتاج فكريّ رعائيّ لا يحمل في طيّاته إبداعاً. فكبار الآباء لم يكتفوا بتكرار أقوال من سبقوهم أو توثيق نتاجهم. نلحظ عندهم ثلاثة أوجه من الإبداع: 
أ- إبداع في التواصل والاقتباس. ب- إبداع في التباين. ت- إبداع في الجُدّة.

أ- فمن جهة تواصلهم المبدع، كان التكرار بعيداً عن نهجهم الفكريّ. فهم ينطلقون من شذرات أفكار أوصلها إليهم التسليم الكنسيّ ويتوسعون بها، انطلاقاً من خبرتهم العلميّة وخبرة حياتهم في الروح القدس، ليبلغوا إلى صياغة جديدة لحقيقة واحدة، صياغة تتلاءم وحياة كنيستهم ومشاكلها في عصرهم، لخدمة خلاص المؤمنين. فالقدّيس غريغوريوس بالاماس في القرن الرابع عشر، انطلق، في تعليمه حول التّألّه وحول التمييز بين جوهر الله وأفعاله وفي نهجه الهدوئي الذي نتج عن هذا التعليم، من أفكار- نواة عند أثناسيوس الكبير والآباء الكبّادوكيّين ومكسيموس المعترف وديونيسيوس الآريوباغيّ وغيرهم وبنى نهجاً لاهوتياً "جديداً" من حيث الصياغة. فلم يُعتبر لاهوته "لاهوت تكرار"، بل لاهوت فذّ إبداعي لتقليد كنسيّ قديم، شاءت الظروف الكنسيّة - الرعائيّة واللّاهوتيّة والفلسفيّة أن تعيده إلى الواجهة وتعيد صياغته، إبداعياً، لخدمة حاجات الكنيسة وخلاص مؤمنيها.

ب- أما التباين بين الآباء، فقد مسّ أوجهاً عدّة من أوجه الحياة المسيحيّة دون أن يمسّ أساس الإيمان المستقيم. فكلّ تباين إجرائي في مسألة ترجمة العقيدة في حياة المؤمنين هو غنىً وليس انحرافاً. فقد اختلف باسيليوس الكبير وغريغوريوس اللّاهوتيّ في نظرتهما للرهبنة. فالأوّل كان من دعاة رهبنة الشّركة التي تلتزم العمل الاجتماعيّ، أي خدمة المريض والغريب واليتيم والفقير، أما الثّاني فقد رفض هذا النوع من الرهبنة وفضّل التّوحد والابتعاد عن العمل الاجتماعيّ. كذلك وضع أكثريّة الآباء حياة التّبتل في مرتبة أسمى من الحياة الزّوجية، بينما اعتبر إكليمنضس الإسكندرانيّ أنّ ربّ العائلة المسيحيّ الكامل هو أسمى رفعة من المتبتّل الكامل[4] . كلّ تباين لا يهدِّد أسس خلاص الإنسان ليس مقبولاً فحسب، بل هو ظاهرة حيويّة في الفكر الآبائيّ.

ت- لا نلحظ عند الآباء، في مسألة الجُدّة، ما نلمسه اليوم من رُهاب عند كثيرين من أبناء كنيستنا تجاه كل ما هو جديد، واعتبار التّمسك بما هو قديم، وحده، يُمثّل الحقيقة. المسيحيّة هي نقيض القدم وهي رمز التجديد: حياة جديدة- عهد جديد- إنسان جديد. "الأمور العتيقة قد مضت، هوذا الكلّ قد صار جديداً" (2 كو 5: 17). يقول كبريانوس في رسالته 74: "الأقدميّة، بحدّ ذاتها، يمكنها أن تتحوّل حكماً مسبقاً ظالماً"[1]. كلّ قديم يتحوّل إلى حرف مميت إن لم نَحيه بفعل الروح القدس الفاعل فينا اليوم والآن. إنّ أكثر ما اتُّهم به القدّيس غريغوريوس بالاماس، في عصره شرقاً وغرباً، وفي الكنيسة الغربيّة حتّى اليوم، هو أنّه رجل مبدع انقلابيّ على التقليد الكنسيّ. وعانى القدّيس أثناسيوس الكبير الأمرَّين من اضطهاد الآريوسيّين والمتعاطفين معهم من "المسيحيّين" كونه ابتدع كلمة جديدة لم ترد لا في الكتاب المقدسّ ولا في التّسليم الكنسيّ (مساوٍ في الجوهر)، ونحن نعلم أنّ عظمة أثناسيوس (الذي كان حينها شماساً) تكمن في إبداعه لهذه الكلمة التي بُنيَ عليها المجمع المسكونيّ الأوّل برمّته وكانت الخطّ الموجِّه لكلِّ النتاج اللّاهوتيّ في القرون اللّاحقة. كما أنّ إبداعيّة الآباء وجُدّتهم لم تنحصر في كتاباتهم بل تخطّتها إلى ممارسات جريئة. وأكتفي بذكر ثلاثة أمثلة:

(1) الصلوات الليليّة التي أدخلها يوحنّا الذهبيّ الفم بغية جذب الشعب، الذي كان يلجأ فترة قبل الظهر إلى حلبات الخيل، للمشاركة في القدّاس. وقد اقتبس هذه الممارسة عن الآريوسيّين الذين كانوا قد سبقوه في إقامة الصلوات المسائيّة [6].
(2) وابتدع باسيليوس الكبير الرهبنة المشتركة العاملة (KOINOVIA) التي كانت ظاهرة جديدة بالكلية، إذ إنّ النمط السائد حينها كان النمط التوحديّ. 
(3) وأخيراً النهج الهدوئي الذي بلوره القديس غريغوريوس بالاماس بالصّلاة الذهنية.

قراءة الآباء:

بالعودة إلى ما ذُكر عن نظرتين مختلفتين لقراءة الآباء، فهناك نظرة تعتبر أنّ كلّ ما ورد عند الآباء هو ملائم لواقعنا الكنسيّ ومشاكله. لذا يلجأ أصحاب هذه النظرة إلى نقل ما ورد عند الآباء، حرفياً، في مجمل المسائل ويكتفون بإدراج مقاطع من كتاباتهم فيما يعالجونه من مسائل لاهوتيّة وما ينتج عنها من مسائل مرتبطة بالكتاب المقدس والعقائد وحياة الإنسان وسلوكيّته ومناقبيّته. وهم، بذلك، يعتبرون أنفسهم أوفياء للفكر الآبائيّ وللعقيدة الأرثوذكسيّة والتّسليم المقدّس وبمنأى عن أيّ انحراف لاهوتيّ. وتُميّز النظرة الأخرى بين ثوابت في عقائد الإيمان والحياة المسيحيّة، كترجمة عمليّة لهذه العقائد، والتي لا يؤثّر في مصداقيّتها وملاءمتها لخلاص الإنسان مرور زمن أو تبدّل ظروف، وبين ترجمة هذه الثوابت في الزمان والمكان، ترجمة يمكن أن تتبدّل أشكالها وفق المتغيّرات التي يفرضها علينا واقع الصّيرورة والتبدّل الذي يحكم عالم المخلوقات. فيرى أصحاب هذه النظرة أنّ الأمانة للفكر الآبائيّ لا تكمن في ترداد ما قاله الآباء، ولا في تجاهله، بل في الاطلاع عليه واستلهام نهج الآباء في عيش الحياة في الروح القدس وفي مواجهة مشاكل عصرهم ومخاطبة إنسان عصرهم.

وحتّى لا نبقى في العموميّات، أعرض لنموذجين من النتاج الآبائيّ وسأحاول أن أُميّز في قراءتنا لهما بين ما هو ثابت وعابر للزمن وبين ما هو آنيّ ظرفيّ مرتبط بالحقبة التاريخيّة التي دوّن فيها هذا النتاج:

1. واحد وعشرون عظة ألقاها الذّهبي الفم في فترة الصّوم الأربعينيّ المقدّس في العام 370: إثر أزمة كبرى وقعت بين شعب أنطاكية والإمبراطور ثيودوسيوس عرفت بأزمة التماثيل [7]. إنّ المضمون الأهمّ في هذه العظات، والذي يمكن أن نستشهد به اليوم وغداً وإلى الأبد، هو حضور الكنيسة الفاعل مع شعبها في أوقات الأزمات والمخاطر، ونهج رجال الكنيسة النبويّ الجريء في معالجة هذه الأزمات. والكنيسة، حينها، كانت شعباً مهدَّداً خائفاً من غضب الإمبراطور. في مقابل هذا الشعب كان للكنيسة أسقف متقدِّم في السن (FLAVIANOS) لم يرضَ إلا أن يصون شعبه من الهلاك والخوف، فغادر أنطاكية إلى القسطنطينيّة ولم يعد إليها إلا بعد أن انتزع من الإمبراطور قرار العفو عن شعبه وقرأه أمامه في يوم الفصح. وكان لها كاهن بقي واعظاً في الكنيسة (يوحنّا الذّهبيّ الفم) طوال فترة الصّوم الأربعينيّ، يعزّي شعبه ويعلّمه دافعاً إيّاه إلى التّوبة والصّوم وفعل الإحسان، ومحرِّضاً إيّاه ضدّ التّرف والطّمع وحبّ المال والنّفاق والشعوذة. وكان لها رهبان ومتوحّدون وإكليريكيّون تركوا أديارهم ومناسكهم ونزلوا إلى المدينة معتصمين حول قاعة المحكمة، فتمكنوا بذلك من إيقاف جلساتها التي كانت على وشك الحكم بالإعدام على عدد كبير من أبناء أنطاكية. كلّ ما ورد في هذه العظات حول هذه النقاط الثّلاث سيبقى، لمن يبغي اقتناء فكر آبائيّ، مثالاً يُحتذى وأقوالاً يُستشهد بها في التّعليم والإيمان والسّلوك المسيحيّ. وهذا ما عبّر عنه يوحنّا، برؤيته النبويّة، حين قال: "ما يحدث هنا سيسمعه الملك وستسمعه كلّ المسكونة، وهو أنّ رهباناً كهؤلاء أقاموا في مدينة الأنطاكيّين مظهرين بذلك جرأة رسوليّة." في المقابل كلّ ما نقرأه في هذه العظات من تفاصيل آنيّة حول طبيعة الحكم وعلاقة الشعب بالحاكم، صوابيّة سلوك الشّعب أم عدمها، صوابيّة ردّة فعل الإمبراطور أم عدمها، يبقى قضايا آنيّة تصلح لتلك الحقبة التاريخيّة وليس بالضّرورة أن تكون ملائمة لعصرنا. فطبيعة النظام والحكم في عصر يوحّنا قد تبدّلت جذرياً في عصرنا. وما كان حينها خطأً مميتاً قد يُغضب الرب، أصبح اليوم، في الأنظمة الدّيمقراطية، واجباً على الشعب لحفظ كرامة الإنسان وعيشه الكريم.

2. تسع عظات للقدّيس باسيليوس حول "الخلق بستة أيام": ألقاها حوالي سنة 370 يشرح فيها آيات من سفر التكوين (1:1-27) دون أن يحصر اهتمامه في تفسير هذه الآيات، بل يعرض فيها لأفكار اليونانيّين الأقدمين العلميّة والفلسفيّة في محاولة لمحاكاة علوم عصره وتقديم قراءة معاصرة لعمليّة الخلق مستخدماً ما تعرّف إليه من علوم عصره في جامعة أثينا. ففي العظتين الأولى والثانية نتبيّن معرفته بعلوم الفلسفة والفيزياء. وفي عظته الثّالثة علوم الفيزياء والأرصاد الجويّة (météorologique) والجغرافيا. وفي عظته الخامسة علوم النبات والصيدلة. وفي عظته التاسعة علم الحيوان (zoologie) وغيرها من العلوم الرائجة حينها. ويبدو لنا، من خلال هذه العظات، أنه درس جيّداً أرسطو، بلوتارخيس، إليانوس، ذيويانيس ولايارتيوس وغيرهم من الذّين كانوا كبار علماء عصرهم [9]. فإذا قرأنا، اليوم، هذه العظات فنحن لن نقف عند التفاسير العلميّة الواردة فيها بل نتعرف على نهج باسيليوس في مخاطبة إنسان عصره بغية قيادته إلى تمجيد الخالق في خلقه. هذا ما قاله القدّيس غريغوريوس اللّاهوتي في عظته التأبينيّة لباسيليوس: "عندما أُمسك بين يديّ عظاته حول أيّام الخلق الستّ وأتحدّث عنها دون كلل أجد نفسي مع الخالق وأدرك أسباب الخلق وأمجّد الخالق أكثر مما كنت أمجّده قبلاً" [10]. ما شعر به غريغوريوس علينا أن نشعر به في أيّ زمان نقرأ فيه هذه العظات، أمّا الحقائق العلميّة فيها فهي عابرة عبور الزّمن وتحوّلاته. والشعور نفسه ينتابني حين أقرأ كتاب الله والتطوّر للدّكتور كوستي بندلي أو كتابه إله الإلحاد المعاصر أو كتابَيه حول الجنس وكتبه الحواريّة مع فرويد (باللّغة الفرنسيّة).

خطر:

ممّا ذكر، نستخلص أنّ هناك خطراً يكتنف مسألة العودة إلى مؤلّفات الآباء والاستشهاد بها، خطراً قادراً أن يحجب عنا حيويّة الفكر الآبائيّ وإبداعيّته ويحوِّل الفكر الأرثوذكسيّ إلى مجرّد استشهادات بجُمل آبائيّة وتكرار لها. خطرٌ كهذا يواجه النّتاج اللّاهوتيّ الأرثوذكسيّ عموماً ويساهم في "إطفاء الرّوح" ودفن كلِّ فكرٍ إبداعيّ في مهده. ذلك أنّ أصحاب هذا "النّهج الآبائيّ!!" يحكمون على كلِّ نتاج لاهوتيّ بقدر ما تتراصف فيه "الجمل الآبائيّة." فيحجبون عنه صفة "الأرثوذكسيّ" إذا غابت، ويُفرطون في أرثوذكسيّته إذا حضرت. لا شكّ أنّ حضور استشهادات من الآباء في المقالة الأرثوذكسيّة، إذا كان متوافقاً مع "روح الآباء" وغير انتقائيّ، يُعطي نتاجنا اللّاهوتيّ سلطة أكبر ويُجسِّد هذا التّواصل في الفكر الأرثوذكسيّ عبر العصور والأجيال. لكنّ غيابه لا يُقصي عن الكاتب فكراً آبائيّاً ولا يعكس، بالضّرورة، عدم معرفته للفكر الآبائيّ أو عدم قراءته لمؤلّفات الآباء. كما أنّ كثرة الاستشهادات الآبائيّة لا تعني، حكماً، أنّ الكاتب ذو فكر آبائيّ. مجمل الهراطقة قد أكثروا، في مواجهتهم لآبائنا، من استخدام آيات كتابية وشواهد من مؤلفات من سبقوهم من كتّاب وآباء مسيحيّين (آريوس- الغنوسيّون وغيرهم). المسألة ليست في ذكر جمل آبائيّة، بل في فهم صحيح "لروح الآباء" على حسب قول الأب جورج فلوروفسكي. يقول في مسألة التعامل مع مؤلّفات الآباء والاستشهاد بها:

"خطير جدّاً أن تعزل بعض الجمل العقائديّة وأن تجرّدها من مجمل منظورها، إذ من خلاله وحده تأخذ هذه الجمل معناها وقيمتها. إنّها عادة خطرة أن تستخدم فقرات من الآباء، ومن الكتاب المقدّس أيضاً، خارج مجمل بنية الإيمان لأنّ هذه الفقرات لن تكون حيّة إلا ضمن هذه البنية. إنّ عبارة 'ونحن باتّباعنا الآباء القدّيسين' لا تعني مجرّد إدراج جمل لهم، بل تعني أن نقتني روحهم وفكرهم. وتقول الكنيسة الأرثوذكسية أنّها صانت هذه الروح وأنها تكلّمت لاهوتياً (mentem ad patrum) أي بحسب روح الآباء... 
يمكن أن تنشأ حول هذه المسألة ريبة بارزة: إنّ عبارة 'آباء كنسيّون' هي محصورة، قانوناً، بمعلّمي الكنيسة القديمة، وإنّ سلطتهم مستمدة من 'قدمهم'، أي من تقارب زمنيّ ما في 'الكنيسة الأولى' من الحقبة البدائيّة أو الرسوليّة للتاريخ الكنسيّ. وقد سبق لجيرونيموس أن قام بواجبه في صدّ مثل هذا الادّعاء: الروح يهبّ، حقيقة، في كلّ العصور... يؤمن كثيرون، بوعي أو بدون وعي، أنّ الكنيسة الأولى كانت، بطريقة ما، أقرب إلى مصدر الحقيقة. هذا، طبعاً، واضحٌ وحقيقيّ فيما يتعلّق بالترتيب الزمنيّ. لكن هل هذا يعني أنّ الكنيسة الأولى عرفت وفهمت، حقيقة، سرّ الكشف نوعاً ما بشكل كامل وأفضل من كلّ العصور اللّاحقة لدرجة أنّه لن يبقى للعصور التّالية سوى 'الترداد'؟ بالفعل، يمكن أن تكون أمثلة (idéalisation) الماضي، كوجه من وجوه شعورنا بعدم كفاءتنا وضعفنا، كفعل اتّضاع ونقد ذاتيّ، سليمة وظاهرة طبيعيّة. لكن من الخطر جدّاً أن نقبل بها كنقطة انطلاق للاهوت تاريخنا الكنسيّ أو حتّى للاهوت كنيستنا... إنّ التركيز الحصريّ على المجامع المسكونيّة السّبعة يتعارض، حقيقة، مع المبدأ الأساس 'للتقليد الحي' داخل الكنيسة. نؤكد على السبعة، لكن ليس فقط السبعة... يمكن الادّعاء أنّ حقبة الآباء تبقى حيّة من خلال الكنيسة المصلّية. ألا يجب أن تستمرّ في الكلّيات، في مجال البحث والتعليم اللّاهوتيّ؟ ألا يجب أن نسترجع 'روح الآباء' في فكرنا اللاهوتي، وفي مضمون إيماننا أيضاً؟ أن نسترجعها، حقيقةً، لا كطريقة تفكير وسلوك عابرَين، ولا كمجرّد رفات يستحقّ احترامنا، بل كسعيّ وجوديّ وتوجّه روحيّ. نحن نعيش، حقيقة، حقبة تجدّد وإصلاح. ولكن يجب ألا نكتفي بالمحافظة على 'ليتورجيا بيزنطيّة'، أو أن نسترجع إيقاعاً بيزنطياً في رسم الأيقونات وبناء الكنائس، أو أن نستخدم نهجاً بيزنطياً في الصّلاة والنسك. يجب أن نعود إلى جذور التّقوى التقليديّة نفسها التي عُشقت كميراث مقدّس، يجب أن نسترجع الروح الآبائيّة.... 
لقد تم الاعتراف، بصدق، بالتأثيرات الغربيّة ووضع لها حدّاً شاملاً. ومن جهة أخرى، تمّت إعادة التّشديد على سلطة الآباء والاعتراف بالحاجة للعودة إليها. يجب أن تكون هذه العودة، حقيقة، عودة خلّاقة. يجب أن يتواجد ضمن هذه العودة عنصر نقد ذاتيّ. هذا ينقلنا إلى شعور بأنّ واجب اللاهوت الأرثوذكسيّ وهدفه، اليوم، هو تركيبة آبائيّة جديدة.... يجب علينا أن نقيّم، من جديد، المشاكل وإجابات الآباء عنها. من خلال هذا البحث ستظهر حيويّة الفكر الآبائيّ، أبديّته ولازمنيّته."

ما ركّز عليه فلوروفسكي هو استرجاع روح الآباء من خلال سعي وجوديّ، من خلال أن نتخطّى الأشكال الليتورجيّة والفنيّة لبلوغ جذور التقوى، وعلى أنّ حقبة الإبداع الآبائيّ لم ولن تتوقّف. ودعا إلى إعادة تقييم المشاكل التي واجهها آباؤنا وإعادة تقييم إجاباتهم عنها.

ماذا يعني هذا؟ يعني أنّ اقتناء الفكر الآبائيّ لا يتمّ، فقط، من خلال قراءة مؤلّفاتهم. قراءتهم ضرورة لا يمكن تخطّيها، لكنّ المهمّ هنا ليس ماذا وكم نقرأ بل كيف نقرأ. فإذ نعتبرهم آباءً لنا، فهل هم آباء لنا في العقل والفكر وبالتالي نقرأهم عقلياً وفكرياً فقط؟ أم هل هم آباء لنا في حياتنا في المسيح وبالتالي وجب أن تتخطّى قراءتنا لهم العقل والفكر، دون أن نلغيهما، إلى مجمل حياتهم في المسيح؟ وحياتهم كانت معرفة، فضيلة ومحبّة لكنيسة المسيح. أيّ حذف لأحد هذه العناصر في قراءتنا لهم يعرّض هذه الأخيرة للانحراف.

إحدى أهمّ الوسائل للتعرّف على أوجه حياتهم هو الاطلاع على سيرتهم. كما أنّ معرفة عصرهم شرط موضوعيّ للتّعرف إليهم. فهم أوّلاً آباء عصرهم ولو لم يكونوا هكذا لما سُمّوا آباءً للكنيسة. لا يمكن أن تدرك فعاليّة أبوّتهم لك في القرن الواحد والعشرين إن لم تتلّمس أبوّتهم في عصرهم. وهذا يتطلب معرفة لثقافة عصرهم وحضارته ولمجمل مشاكله الكنسيّة والسياسيّة والاجتماعيّة وحتّى الاقتصاديّة، وعدم الاكتفاء بسرد أحداث حياتهم، كما اعتدنا أن نقرأ في بعض سير القدّيسين. علينا أن نتعرّف إلى سيرة الأب وعصره. هكذا فقط يمكنك أن تعبر من "عصره"، من ضمير الغائب، إلى "آباؤنا"، إلى ضمير المتكلّم الحاضر، فنحيا بذلك فكر آبائنا الآن وهنا. وهذا ما سيوصلنا إلى استرجاع روح الآباء وسيجنّبنا الوقوع في منزلق التّمسك بالحرف.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] مجموعة الشرع الكنسي ص. 396
[2] مجموعة الشرع الكنسي ص. 801
[3] George Florosky, Bible, Church ,Tradition
[4] عن كتاب ....
[5] George Florosky
[6] مؤلّفات يوحنا الذهبي الفم
[7] مؤلّفات يوحنا الذهبي الفم
[8] مؤلّفات يوحنا الذهبي الفم
[9] مؤلّفات باسيليوس الكبير
[10]مؤلّفات باسيليوس الكبير