شأننا والتاريخ
رينيه أنطون - 31 أيّار 2026
في ضياء العنصرة
"الحركة ليست كالأمس". هو حُكمٌ يتردّد كثيرًا في مسامعنا، أكانَ على ألسنةِ البعض منّا أم بعض أبناء الكنيسة، غير الحركيين، والمسؤولين فيها.
أرى في هذا الآتي:
أولّاً، أنّه حكمٌ غير مجرّد من النزعة الانسانيّة لدى كلّ شخص، وكلّ جيل، إلى تمجيد ماضيه.
ثانيًا، إنّ جمالات الصوَر والمشاهد والأحداث والانجازات المطبوعة في ذاكرة المردّدين، على صحّتها، تبقى في حقيقتها أجزاءً منتقاة من كلّ، منتقاة كالأفضل من مشاهد ووقائع وأزمنة ووجوه كثيرة.
ثالثًا، هذه الجمالات لا تحصر التاريخ الحركيّ بها، ولا تعني أنّه خلا من صعوبات وعثرات تشابه صعوبات اليوم، ما لم تزدها، ولا أنّ الحاضر ليس مطبوعًا بجمالات أخرى لم يعرفها الماضي، ستعتلي عرش تاريخ الغد.
رابعًا، ما سادَ كلّ تاريخ من وقائع وحقائق لا يُستَحضَر بالعواطف الانسانيّة والحنين، وإنّما بما نُقِل عبر التوارث المُباشَر بين الأجيال، وما هو مُدوّن.
خامسًا، كلّ تقييم على هذا الصعيد يقتضي فصله عمّا تجلّى في عيوننا من ومضات الروح القدس في نُدرة من المؤسّسين وأشخاص، آخرين، رسَمَهم الله مُثُلاً في الالتزام والقداسة. فهذا النُدرات عرفَها، وسيعرفُها، تاريخُ كلّ جماعة أيًا كان صعيد عملها وخدمتها.
وتأكيدًا، في خلوة جمعت الأمناء العاميّن للحركة يوم 21 تشرين الثاني 2009 حول شهادة الحركة، قال المطران جورج خضر مفتتحًا أوّل مداخلة له في الاجتماع: "يوجد ظاهرة في كلّ مؤسّسات العالم وحركات العالم، يوجد جيل مؤسّسين تألّم ولاحَظ... وهناك فرق بين مرحلة النهوض والتأسيس ومرحلة المؤسّسة حيث يكون قد أصبح لديك تراث..."
سادسًا، بأيّ حال، وبدءًا من مرحلة التأسيس وفريق المؤسّسين الستة عشر، مرورًا بالمراحل والأجيال التي تلت، ليسَ ما يُشير، في تراثنا المنقول والمكتوب، إلى أنّ مرحلةً تميّزت عن أخرى، أكانَ بنسبة الذين استمرّوا ورسَخوا في التزام القضيّة من بين الأجيال التي عبرت فيها، أم بكمّ ما أفرزته من وعيٍ وقادة، أم بما اعتراها من عثرات وواجهها صعوبات، وما من تقريرٍ لأمينٍ عام إلى مؤتمرٍ حركيّ خلا ممّا توقّفت عنده سائر تقارير الأمناء العامّين من هذه. ومثالًأ، أرفق المقطع المُلحَق أدناه من محضر المؤتمر الحركيّ العام 1965 (أي في ذروة حضور المؤسّسين والجيل الحركيّ الثاني) حولَ ما ورد في مضمون حديث الأمين العام الأب جورج خضر إلى المؤتمر [1] ومداخلة الأسقف أغناطيوس هزيم [2].
أأبغي بهذا أن أقلّل من شأن تاريخنا، بهاءً وتأثيرًا؟
أبدًا، فنحن وليدو هذا التاريخ، وإيقوناتٍ من الوجوه فيه تسكُننا وتحتلّ فسحات من صلواتنا، ومحطّات جمّة فيه تُنشينا وتشدّدنا.
أبغي أن أوضح، فقط، أنّ ما يُفرح الله في الحركة لم ينوجد في زمنٍ بعيد وحسب، وإنّما في ما تلاه وتلاه حتّى اليوم. وكما أنبتَ الروح الحنطة وسط الزؤان في الأمس، يُنبتها وسط الزؤان اليوم.
هذا نعاينه إنْ انطلقنا في نظرتنا لشهادة الحركة اليوم ممّا يحوطها من ظروف، وفهمنا، في آن، أنّ لكلّ يومٍ، وزمنٍ، تحدّياته التي تفرض ترجمة التزاميّة مختلفة، وأولويات مختلفة، عمّا سبقَ، وأنّ ما يحوط الشباب الملتزم اليوم من الفرديات والسطحيات وانقلاب المفاهيم وانهيار القيَم ومُغريات جمّة ويُثقله بوطأة الحروب والأزمات والاستهلاك ومقتضيات مواكبة وجوه العولمة، لا يُقارَن بأي أمس. إنْ انطلقنا في نظرتنا لشهادة الحركة اليوم من هذه الظروف لشهدنا في ومضات المجانية والجدية والشركويّة والرسولية والخُلق في شبابها اليوم، وتحلٌقه في بيوت الحركة أو قاعات الرعايا، عيّنات من هذه الحنطة.
أينفي هذا ما نعوزه في حياة الحركة اليوم؟
أبدًا، وما يختصره هو شمولية الوعي، الذي لا أدري كم بلغ في تاريخنا. نعوز أن يشمل وعي شبابنا آفاقَ ما هو مدعوّ إليه من التزام، كنسيّة رعائيّة كانت هذه الافاق، أم شهاديّة مجتمعيّة، حيث لا يُسأل هو عمّا حجبَها عنه، إذ الأسباب تطول. لكن مَن يُسأل، اليوم، عن الاسراع في اطلاق ورش بناء هذا الوعي في الشباب هم المسؤولون الحركيّون والمرشدون، هُم نحن.
فليس سرًّا أنّنا تلكّأنا في إيلاء هذا الشأن ما يلزم إذ لم يتخّذ مكانته في توجّهاتنا التربوّية والارشادية والبرامجيّة لما هو قائم، اليوم، من عملنا، وفي التأسيس لما هو جديد. ورجائي ألا يكون هذا انعكاسًا لعدم قناعتنا، الضمنيّة، بأنّ شمولية الوعي هذه هي من أسس استقامة التزامنا النهضويّ، أو لكون أعماقنا ليست محرّرة بالحقيقة من التعلّق بهويّة "مدارس الأحد" كهوّية للحركة، والتثقيف الدينيّ، بامتدادته النشاطاتيّة، كغايةٍ لها وحسب.
أمّا ما يُحكى في سياق ما بين الأمس واليوم عن "الصوت النبويّ" فله مقاربة خاصّة لاحقة.
خلاصته، أنّ ما من زمانٍ أو جيلٍ إلا وله عنصرته، إلا ويزيد جمالٌ فيه درجةً في سلمّ الصعود بحياة الحركة، وحياة الكنيسة، إلى حيث تصير بكلّ ما فيها جمالًا بجمالٍ وحسب.
[1] تقرير الأب الأمين العامّ:
لاحظ الأب جورج أول الأمر أنّ الوقائع غائبة. وتابع كلامه قائلاً: “إنّ الفترة التي فصلت بين المؤتمرين كانت فترة امتحان بالنسبة إلى القانون الجديد، ويبدو أنّ شيئاً من الميوعة ظاهر. لم تدرك الأمانة العامّة أنّها حكومة الحركة أو أنّها لم تتمكّن. لذا بقي التشريع إلى حدٍ ما حرفاً ميتاً. وعرفنا في بعض الأماكن انحرافاً عمليّاً متأتيّاً من الاعتقاد بأنّ الفعاليّة الحركيّة كامنة في زيادة التنظيم والتدقيق به. كما أنّ التقصير بدا في بعض الأماكن وانتظر تدخل الأمانة العامّة التي لم تفعل”.
ولاحظ الأب الأمين العامّ أنّ النتيجة من كلّ ذلك كانت في عزلة بين المراكز وعدم تنسيق. هذا ما أدّى إلى عدم الثقة أو الشعور بالإهمال. فالحياة المحبّة كانت في تقلّص على العموم مما قاد:
– إلى انهيار ركن من أركان الحركة ألا وهو قراءة الكلمة.
– إلى العيش في شيء من الكلاميّة.
– إلى تضخّم في العمل الاجتماعيّ والتذمّر من الإلهيّات.
أمّا من ناحيّة الحضور الحركيّ في الكرسي الأنطاكيّ فقد أشار الأب جورج إلى اعتقاده بأن ليس من نشاط منذ سنتين بالرغم من بقاء الحرب مستمرّة وإن استترت أحياناً. كما أظهر ثمّة نقصاً بالانضباط أحياناً.
وبيّن أيضاً أنّ مراكز أخذت بالنهوض، ضمن هذه العيوب العامّة، كدمشق والشهادة استترت ولكن نقص الزخم وأخذت الحركة تدخل في طور”المنظمة”.
وانتهى الأب الأمين العامّ بإظهار الغاية من هذا المؤتمر التي أوجزها في تجديد هذه الحركة بالعودة إلى الأصل. لذا تجديد الجهاز ضروريّ بنظره بالإتيان ببشرٍ جدد.
[2] مناقشة تقرير الأمين العام
...الأسقف إغناطيوس: لفت النظر إلى بعض النواحي التي يجب أن يتم فيها شيء. أشار إلى الفصل بين الروحيّ والإداريّ وهذا مصطنعٌ برأيه. لاحظ غياب وسائل النقل للآخرين وتأليه الأشخاص والقانون والبرنامج، قال “هذا ما يبطل التجسّد طالما إنّنا لا نجد الإيمان والحياة والتعاليم في العلاقة بين العضو والعضو، بين الفرقة والفرقة، بين المركز والمركز، بيننا وبين الشعب الأرثوذكسيّ”. قال أيضاً “إنّنا نتصرّف بعض المرّات وكأنّنا في استغناء عن الآخرين”. وأنهى تعليقه بقوله: "ما يُقرّر يجب أن يُنعش الروح وألا يُطفئها".