الفكر والثقافة في حركة الشبيبة الارثوذكسية


المطران جورج خضر
في المنتدى الحركيّ حول الفكر والثقافة - 2009


عندما رأينا الكلمة قد توارت او خُطفت في جماعة انطاكية ما كان من المعقول ان تحيي هذه الجماعة بلا كلمة جديدة تكشف طبيعة الكلمة الذي كان من البدء. كان ممكنا ان يُلهمنا الله القيام بالصلاة وأعمال الرحمة كما فعل إخوتنا في كل مدن فلسطين من قبل الاحتلال ولم نهمل نحن الصلاة. وفي مرحلة لاحقة ركّزنا على العمل الاجتماعي ولكن شاء الله برحمته ان ننهل من ينابيع الفكر الارثوذكسي نحيي به الموتى والذين حادوا عن استقامة الرأي فإن الإستقامة ان استعدتها تقوّم طريقهم وتقوّي تمجيدك لله والارثوذكسية تعني بآن واحد الرأي المستقيم والمتجيد السليم.

على أية وحدة تقوم الجماعة ان لم تقم على التراث الحي الذي هو أمانة الروح القدس لنفسه في كل الأجيال التي تكلّم فيها. كنا غير راضين عن اللغة الخشبيّة التي كانت شائعة اذ بعض الناس درس وكرّر الكلمات المستهلكة وظنّ ان تلاوة الكلمات العتيقة هي الأمانة للسلف الصالح غير اننا سرعان ما فهمنا ان لا مضمون يثبت ان لم نبثه بقوالب جديدة لأن الناس جدد والتكرار ملازم للجفاف وانت في حاجة الى كلمات حيّة نابعة من المسيح الذي يحييك وكنا في حاجة الى "منظر يشبه مجد الرب" (حزقيال1: 28) ويتابع النبي قوله: "وانت يا ابن الانسان، فاسمع ما أكلّمك به... فنظرت فإذا بيد قد مُدّت اليّ واذا سِفرٌ فيها... فقال لي "يا ابن الانسان كُلْ ما انت واجد كل هذا السِفر ففتحت فمي فأطعمني ذلك السفر... فأكلته فصار في فمي كالعسل حلاوة" (3: 1-3).

نحن ما أكلنا الا الكلمات التي أطعمنا الله إياها. لذلك كان الإنجيل غذاءنا الاول والآخر كان إلفنا وياءنا. هذا هو الخبز النازل من السماء وقد أصررنا منذ البدء على الا نختلق كلمات او معاني نحيد فيها عن الكتاب القيّم. نحن تلاميذ صغار عند يسوع، إخوته الفقراء اليه فحاولنا ان نوزّع ما باركه وكسره وأعطاه حتى نبقى من أهل البيت وكانت الأناجيل في جيوبنا ونقرأها كثيرًا لنتحوّل اليها فنصبح بدورنا أناجيل. كان طموحنا التجدّد بإنجيل المسيح ضمن كنيستنا الأبدية ولم نعِ يومًا اننا فئة نبتدع او ننشئ كنيسة غير التي أُنشئت على الصخر، من هنا انه كان ينبغي ان نخرج من الصمت الرتيب الفاتك لنمارس معموديّتنا كل يوم متبحرين لإحياء الذين تعمّدوا معنا في حوض تجديد الروح.

وفيما كنا نستلهم الروح نظرنا الى ما كُتب في العالم الأرثوذكسي في القرن العشرين ليزداد علمنا بأشيائنا ونغدو أمناء لآبائنا لأن كنيستنا ما جاءت من العدم ولكن واعين ان آباءنا كانوا ولا يزالون معلمينا ولكن حسبنا اننا لم نكن آلات تسجيل وان الأصل ان قرأت لتقتبس الروح فإنه هو يجعل نفسه من ذاتك وان قلت ذاتك تقوله. عند الآباء أقوال متعلّقة بحضارتهم ولهم أسلوبها في التكلّم ونحن لسنا مرتبطين بأية حضارة قديمة كانت ام جديدة ولكنا مرتبطون بالوحي ونبني فكرنا عليه لا نتقولب بل نقولب. نقول مثلما قالوا ولكن بعبارات تصل الى أذهان الأعضاء في كنيستنا اولا وكل من وصلت اليه رسالتنا.

وكنا واعين ان كنيستنا فيها ملء الحق وكمال البهاء الإلهي وكنا عارفين ان كل ما فيها يقدم للجميع من اجل الخلاص ولإيمانها بأنها اسلمت الحق كله سعينا الى التقارب الحي المتواضع مع المسيحيين الآخرين وشجبنا الانغلاق الطائفي وقدّرنا الجمالات التي عند الإخوة الآخرين وكافحنا الانقباض والانغلاق لنتحسّس كل خير حيثما بدا وحيثما فعل وبهذا المعنى رذلنا الطائفية بسبب من تمسّكنا بما وصل الينا فجاء فكرنا أرثوذكسيا وتقاربيا بآن وأبينا الانغلاق شاء من شاء وأبى من أبى لنكون نحن إيّانا ومع الآخرين.

انفتحنا بخاصة على الفكر الروسي السابق للثورة واللاحق لها في المهاجر ولا نزال لأن بعضه كان منقولا الى لغات نفهمها وننفتح منذ سنوات على فكر المهتدين من أهل الغرب الى الإيمان الأرثوذكسي دون ان نكون مأسورين لأحد وهذا أنعشنا كثيرا وقوّانا كثيرًا بحيث أمكنك ان تقول ان هناك تماسا كبيرًا بين فكرنا وهذا الفكر الأرثوذكسي الأجنبي.

غير اننا لم ننسَ أن فكرنا يجب ان يقدم للعرب. نغتذي اذًا من الفكر العربي ومن الحضارة العربية لنكلم العرب جميعا بالمقولات المستعملة عندهم ونوآلف احساساتهم علّنا نبني جسورا مع كل الناطقين بالضاد ولذلك نحاول ان نكتب المسيحية بلغة عربية صافية ومفردات مفهومة لدى العرب. ارثوذكسية هذا المشرق عربية اللسان كما كانت يونانية وسريانية قبل ان يتعرّب لساننا. نحن فُوضنا أمر الرسالة في هذه المنطقة واذا كان العرب ممن سمع الرسل يتكلّمون بلغات كما يشهد سفر الأعمال فشهوتنا ان نقيم عنصرة دائمة في بلادنا.

ان كشف الحقيقة الإلهية يتطلّب التركيز على المعرفة لأنها تبدد الجهل والخرافة والبدع ولأنها تعطي اليقين. سلامة العقيدة عندنا مما يقوي التوبة الى وجه المسيح ويحفظ الخراف في الحظيرة وكنا موقنين ان الناس مهما تباينت مستوياتهم بفضل المحبوبيّة الحركيّة التي يتلقون في معاشرة الإخوة تتدعم قلوبهم بما يصل الى عقولهم من الحق ذاك ان القلب ساحة العقل عند المؤمن فينزل هذا الى عمق القلب ليصعد منه مطهرا وينقل المعرفة سليمة. وعلى هذا الأساس نقول ان العبادات يجب ان تفهمها لأنها كلمات ويجب ان تفتح القلب للكلمة حتى لا يتقاذفه الهوى. ومن هذا اننا لم نكن ندوة فكرية بل فكر عابد وعبادة عقلية ناطقة.

الثقافة المسيحية ليست اذا ثمرة لخزانة كتب كما انها ليست مجرد مشاعر غير منضبطة بالعقل. انها تلك الطاقة التي تأخذ الكيان البشري بكماله وتدفعه في خدمة الإنجيل. الكلمة الإلهية لا تنطلق وحدها من امرئ الى امرئ. فإن لم تحمل دفء القلب الطهور المحب لا تخرج من الفم ولا تصل الى أذن.

واذا اتسع القلب ينزل اليه دفق الذهن ويتلاحمان حتى يتم التلاقي بين إنسان وإنسان آخر وهكذا استطعنا تجاوز ندوة الفكر المحض وهزات المشاعر التي لا تحمل محتوى ذهنيًا.

هذا يحدد طبيعة العمل الذي نقوم به ويوضح انتظام المثقف الكبير بمن كان دونه مقاما ولكن من كان قلبه هشا فلا موضع له بيننا. لذلك ساغ القول اننا حركة قلوب بالصورة التي رسمناها.

ولكوننا ابتغينا هذه القاعدة وعرفنا استقلالها عن كل شيء دنيوي اخترنا الا يختلط في دعوتنا أمور الدنيا السياسية والأمر الكنسي. نحن فهمنا منذ البدء ان ما تسميه الدولة في هذا البلد طائفة أرثوذكسية لا علاقة له بما سماه الكتاب الكنيسة. الكنيسة عتبة او حضور لملكوت الله. وما رفضنا لأحد حقه في النضال السياسي ولكنا أدركنا منذ البدء ان حياة المسيح في العالم في حاجة الى خدمة أكان البلد في سلم ام كان في حرب، على عسر او على يسر وانك تستنزل السماء على الأرض ولو صارت هذه جحيما. لذلك امتنعنا بوعي كامل عن الدخول بأي نقاش متعلّق بما يسمّى حقوق الأرثوذكسيين في الوطن ولم نشارك إطلاقا في وصول هذا وذاك الى مناصب الدولة.

كنا نريد ان ننقذ الإنجيل من الوحش. ان نستدخل كلمة الله نفوسنا في عرائها. كان يكفينا جهدا وتزاد أشياء الدنيا للناس اذا سمح الله ذلك. ما قلت اننا أهل حياد ولكن لم نكن ناشطين في مجالات يتقنها أربابها.

وبسبب من تجنّدنا هذا كان لا بد من ان نحوّل طاقاتنا الذهنية الى محاربة الأميّة الفكرية ونتثقف عند أهل مصادرنا وعما تنتجه هذه الدنيا فكرا وأدبا وفنا لا لشيء الا لتزيد فاعلية الروح فينا ولأن بعض الظروف جعلت بعضنا متأدبا كان هذا يساعدنا على مد الدعوة بجمال التعبير وكثر المتكلّمون وأقبلنا على المعرفة ببضع لغات ليصير الشعور عندنا أكثر كثافة ويأتي تعبيرنا أغنى ليستغني المسيح وربما لنقل رسالتنا باللغات الأجنبيّة وهذا ما فعلناه في القفار لئلا يبقى في كنيستنا قلب جاف او عقل عقيم. وهذا يوسع آفاقنا العربية الى افاق تبعد لتصعد دنيانا الى حيث الفادي.

هذا الطموح مرتكز الى حد كبير على معرفتنا ان السيّد ماكث في تراث هذا البلد او ذاك. واحتضاننا الثقافات المختلفة يقيم المسيح المنتشر فيها مضموما الينا بفضل العبقريات التي نقلته في بلدان اخرى. واذا أدركنا قامة المسيح في هذا الأدب او ذاك شعرا او فلسفة او فنا غني بالألوان يصبح العالم الأرثوذكسي موحّدا ليس فقط في الكتب اللاهوتية ولكن بالإنتاج الأدبي وتتقارب الأذهان كما تتقارب المشاعر وتكون انت عصرنت الثقافة الأرثوذكسية كما كان بولس يضع فكر المسيح في الثقافة الهلينيّة. يخرج عن الإغريق متى شاء ويعود اليهم على قدر ما يسمح له فكر المسيح وتظل انت على تواضعك في حالة احتضان الحضارات لا لتعرفها وحسب ولكن لتنقل المخلّص اليها وهذا ما يوسّع الثقافة العربية التي نحن أبناؤها الى كل مجالات الدنيا.

اذا كان وصفي لطبيعة حركة الشبيبة الأرثوذكسية كما استلمناها صحيحا تكون شاملة ولا يُزاد عليها شيء الا اذا استرخى الكثيرون وأطفأوا الشعلة في كيانهم. الحمل ثقيل ولكنه قال: "تعالوا اليّ ايها المتعبون والثقيلو الأحمال وأنا أريحكم" أي أريحكم بالكلمات التي تتجدد فيكم. من تراءى له هذا البهاء الإلهي لا تغريه غواية.

كل ما قلته لكم يجب ان يدفع عنا كل استكبار ويجعلنا نحس اننا إخوة المسيح الصغار فنحن في بشرتنا لسنا بشيء لأن من افتخر فليفتخر بالرب. لكم ان تغيّروا هذا الأسلوب او ذاك وترموا قشور الثمار التي ظهرت بخدمتنا ولكن ليس من طعام بديل عن الخبز النازل من السماء إنجيلا كان ام قرابين وعلينا ان نتحلّى بالصبر الجميل امام المشقّات وكانت كثيرة منذ ستة وستين عاما. وجميع الذين يعيشون بالتقوى يصدمهم الصادمون وهذا شأن كل رسول. ليس نحن بل روح الحياة الإلهي باقٍ الى الأبد في الذين يحبوننا والذين يبغضوننا.

هذه ثقافة الحياة الجديدة التي نزلت علينا من فوق. هذه عقولنا التي استنارت وقلوبنا التي تحركنت نرفعها قربانا الى الرب جيلا بعد جيل مُجِّد اسمه فينا وفي الناس لنأتي دائما من الضياء العلوي ونتوب ونبكي ونتهلّل.