حضورنا في الرعيّة
المؤتمر الحركيّ الأربعون - تشرين الأوّل 2008
1- معنى الحضور ومستلزماته: إن عقيدة التجسّد، كما العقائد الأخرى، كُشِفت لنا لنحيا بموجب حقائقها ونبلغ المقاصد التي خطّها الله لنا منذ الأزل، لذا وَجَبَ أن تكون حاضرةً أمامنا في مجمل أوجه حياتنا الكنسيّة في الروح القدس.
بحسب هذه العقيدة، فإنّ الحضور الإلهيّ بيننا قد بلغ ذروته في شخص يسوع المسيح الإله- الإنسان. وهذا يعني أن هذا الحضور ليس هو مجرّد تموضع أو حضور شكليّ منظور، أو حتى غير منظور، في الزمان والمكان، أو إشغال لمساحة معيّنة ضمن أبعاد الكون الثلاثة أو الأربعة. هذا النوع من الحضور استثمره الله، فعلاً، قبل التجسّد. ولم يجعل من تعاليه ولا معقوليّته ولا محدوديّته عائقًا أمام حضوره بيننا. فهو سيّد الكون والأبعاد والأزمنة والأمكنة وله أن يستخدمها كما يشاء محبّةً لنا وخدمةً لأجلنا.
لكنّ حضور الله، بحسب عقيدة التجسّد، هو من نوع آخر، إنّه حضور اتحاديّ – شركويّ، بمعنى أنّه حضور يتخطىّ ذاته إلى الآخر. من خلال التجسّد، حدث اتّحاد أقنوميّ بين الإبن والإنسان بشخص يسوع إبن مريم. هذا يعني أنّ الله، شاء، من خلال تجسّده، أن يكون حضوره في الكون عبر الطبيعة الإنسانيّة. لقد جعل الله، بالتجسّد، الإنسان وسيلة للتجسّد وغاية له في آن معًا. فلكون حضراته قبل التجسّد لم تكن كافية، لنا، لاتمام خلاصنا شاء أن تكون الطبيعة الإنسانية شريكة للطبيعة الإلهيّة في عمليّة الخلاص. محبّته واحترامه لهذه الطبيعة، المغايرة له بالتمام، جعلت الخلاص فعلاً شركويًّا بين الله والإنسان وأقصت عنه كلّ مظاهر القسر والإملاء. فالحضور الإلهيّ، الهادف أصلاً إلى الخلاص، لم يكتمل إلاّ بالتآزر مع الحضور الإنسانيّ الفاعل والمشارك. إنّ الخلاص، بحسب عقيدة التجسّد، لم يتمّ من خلال الإبن فقط، بل من خلال الإبن المتجسّد، أي من خلال يسوع المسيح، أي من خلال إتحاد الإبن بالإنسان. كما أنّ الحضور الإنسانيّ في شخص يسوع المسيح لم يكن حضورًا شكليًا أو تسهيليًا، بل حضورًا فاعلاً ومشاركًا. خلاصة القول، إنّ الحضور، بالمعنى المسيحيّ، هو حضور شركويّ. فعاليّته تكمن في أنّه حضورٌ تقريريّ وتنفيذيّ. وإذا عدنا إلى عنوان هذه الورقة يتكشّف لنا، مما قلناه، معنى حضورنا في الرعيّة. إستقامة الرعاية وفاعليتّها مرتبطتان بهذا النوع من الحضور.
2- حضور من؟: ما المقصود بـ”نا”؟ أوّل ما يتبادر إلى ذهننا ونحن في مؤتمر حركيّ، أنّ المقصود هم الحركيّون. وليس في ذلك ضررٌ أو إنحراف أو إنغلاق. فالكلام على حضورنا في الرعيّة نابعٌ من خصوصيّةٍ سَعَيْنا إلى اقتنائها والتمسّك بها منذ تأسيس حركتنا. ولكنّ للخصوصيّة وجهين: وجهًا إنغلاقيًّا ووجهًا نموذجيًا إنفتاحيًّا:
أ- الأوّل يجعل منها هدفًا بحدّ ذاتها، يرتاح لها وينتشي بها ويجد بها ذاته بعيدًا عن أيّ شركة مع الآخر المختلف عنها. هذه الخصوصيّة لا تتحقّق حضورًا بالمعنى التجسّديّ الذي أشرنا إليه.
ب- أما المعنى الثاني فيجعل من الخصوصيّة مسعىً ووسيلةً لا هدفًا. مسعى لتكوين مثالٍ أو نموذج يؤمن به ويسعى لتجسيده في محيطه. أيّ كلام على خصوصيّة حركيّة، وأيّ عمل لتكريسها، مرفوضان إن لم يقترنا بوعي مفاده أنّها لا تستمدّ مضمونها من ذاتها أو من أهواءٍ أُناسها ومصالحهم، بل من الكلمة الإلهيّة من شخص يسوع المسيح، لتكون نموذجًا يُحتذى في عيش الإيمان المستقيم:
2 – أ- لهذا تصبح “نا” “كلاّ” بالمعنى النوعيّ، أي شعب الله بمجمله الذي أسلم ذلته ملكيّة لله وإن كان لا يشمل إلا جزءًا من أبناء الطائفة، وحضورنا حضورًا نموذجيًّا لمجمل شعب الله.
2- ب- وبدون هذا تصبح “نا” “جزءًا” بالمعنى الكمّي وتاليًا عصبية تضاف إلى مثيلاتها في الطائفة ولو ضمّت كلّ أبنائها.
الخصوصيّة هي أن نكون جزءًا نموذجيًا، متألِّها، كليًّا وليس كلاًّ ذاتيًّا، بشريًّا، عصبويًّا.
3- الإشكاليّة: ممّا تقدّم، يتبيّن لنا أنّ حضورنا في الرعيّة إنّما هو حضور فاعل ومشارِك، وأنّ لشعب الله دورًا في الرعاية. الإشكاليّة هنا كيف لشعب الله، الذي يُصوّر على انّه القطيع، أن يَرْعَى بوجود رُعاة انتُدبوا لمهمّة رعايته وقد اقامهم الله رعاةً مسؤولين عن رعاية القطيع وقيادته إلى مراعي الخلاص وعليهم أن يقدّموا حسابًا أمامه عن الرعيّة التي أنتدبوا لها؟
4- إيضاحات ومنطلقات: الرعاية في الأساس مسؤوليّة الأسقف ومن ينتدبه من الكهنة. وهذا واضح في مجمل الكتاب المقدّس والقوانين الكنسيّة والتراث الكنسيّ عمومًا. أين يكمن، إذن، دور الشعب في الرعاية؟ هل ينحصر دوره في التلقّي؟ للإجابة عن هذه التساؤلات لا بدّ من الإيضاحات التالية:
4- 1- الرعاية فعل حركة باتجاه شعب الله يقوم بها الكاهن بغية قيادته إلى شخص يسوع المسيح، مرساة الخلاص ومحقّقه في حياتها. واهمٌ من يعتقد أنّ الكاهن وحده يشكّل الركن الوحيد للرعاية. هو ركن أساس في حركة الرعاية، من دونه لا تستقيم رعاية ولكنّه ليس الركن الوحيد فيها وغير كاف، وحده، لها. فالرعيّة تشكّل الركن الآخر الأساس، أيضاً، والشريك ولكنّه أيضًا غير كاف وحده لها.
4- 2 – موضوع الرعاية هو هذا الجسد الواحد الذي يتكوّن منه شعب الله (الرعية) والكاهن أحد أعضائه ورأسه المسيح. الثروات الدفينة في هذا الجسد الواحد والتي يجب استثمارها، لخدمة خلاصه، هي المواهب التي خصّ الله بها كلّ عضو من أعضائه. فنجاح الرعاية هو النجاح في اكتشاف هذه المواهب وتنظيمها وتوجيهها لبلوغ قداسة هذا الجسد. مهمّة الكاهن قيادة عملية الإكتشاف والإشراف عليها وتأمين سلامة توظيفها في عمليّة التقديس والخلاص. مهمّة شعب الله تسخير مواهبه ووضعها في خدمة الجماعة والشخص فيها، وطاعة الراعي في ما يراه مناسبًا لهذا الغرض.
4- 3- لا يرتبط نجاح الرعاية أو فشلها، كما يظّن كثيرون، بشخص الكاهن فقط، بل هما مرتبطان أيضًا بمدى طواعيّة شعب الله وتجاوبه مع الراعي. فمن جهة، شكاوي كهنة، مشهود لهم بالفضائل والمؤهلاّت الرعائيّة والقياديّة، على فشل عدّة مشاريع رعائيّة في رعاياهم بسبب عدم تفهّم أو تجاوب رعاياهم، هي خير دليل على ما نقول. ومن جهة أخرى، شكاوى أبناء رعيّة، مشهود لهم بالتقوى والمعرفة والغيرة، على كهنة يعرقلون فعل الرعاية في رعيّتهم، هي دليل آخر على صحّة ما نقول. أواليّة هذه الحركة الرعائية هي على درجة من الرحابة والاتساع والشمول والتعقيد تجعلها عسرة التحقيق من قبل شخص الكاهن وحده، لذا يجب عدم القبول برصف شعب الله بقوالب مغلقة: الكاهن الراعي المبادر حصرًا، والشعب المَرْعيّ المتلقّي حصرًا وتبنّي فكرة التكامل بين ركني الرعاية: الكاهن القائد والشعب العامل وكلاهما يسكبان عملهما في خدمة الرعية – الجسد الواحد.
5- وهم: إنّ ما نقوله هنا ربّما كان حاضرًا في الوعي الحركيّ، ولكنّ ترجمته في الواقع العملانيّ بقيت متعثّرة ما انعكس سلبًا على فاعليّة حركة الرعاية. تراثنا الحركيّ مليء بمقالات عن الكاهن والأسقف ودورهما في الرعاية: مزاياهما – إعدادهما – ثقافتهما – معيشتهما. إضافة إلى مقالات وكتب بحثت في مسألة التعليم والتربية الدينيّة: مضامينها – طرقها – أهدفاها. لكننا لا نلحظ في أدبنا الحركيّ مباحث، بهذه الكثافة، حول دور الشعب المؤمن في الرعاية وما يبيّن للعلمانيّ دور هذه التربية في إدراجه ضمن الحركة الرعائيّة في رعيّته من حيث أنّه شريك وليس متلقياً فحسب. أضف أن بعض ما نلحظه، على هذا الصعيد، بقى محصورًا في المجال النظريّ والقانونيّ (قانون المجالس)، أو مبعثرًا هنا وثمّة ضمن مباحث أخرى يكون الكلام فيها على دور الشعب في الرعاية عَرَضيَّا. ومثالاً، استوقفني في المجال اللاهوتيّ والتنظيريّ كتاب “أنطاكية الجديدة” الذي جمع فيه الاخوة، في الخمسينات والستّينات من القرن الماضي، مقالات للارشمندريت (حينها) الأب جورج خضر. فهذا الكتاب هو، كما ورد في مقدّمته “تخطيط نهضة، رسمٌ لأفق جديد – وهو محطة أساسيّة في إنطلاقة نهضة أنطاكيا”، غير أنّه قد غاب عن فصوله فصلٌ خاص بدور الشعب في بناء أنطاكيا الجديدة، رغم كثرة ما كتبه وعلّمه المطران جورج خضر (لاحقاً) بهذا الخصوص ، وانحصر الكلام فيه على الكاهن والأسقف والرهبنة والتثقيف اللاهوتيّ. والسبب في هذا أنّ الجهد ربّما كان منصبًّا، حينها، على إيجاد قادة جدد لشعب الله قادرين على بدء ورشة النهضة وقيادتها، فانصبّ الأدب الحركيّ على التأسيس والتنظير لهذا الركن الأساس في الرعاية والتعليم حوله، دون أن يهمل الركن الآخر له أي الشعب. ويتبيّن لنا أنّ التأخير في التنظير لدور الشعب كشريك في الحركة الرعائيّة قد أصابنا في الصميم. ألا يقال لنا دومًا أنّ الكنيسة، اليوم لا تحتاج إلى الحركة، طالما أنّ الإدارة الكنسيّة، بشخص أساقفتها وكهنتها، تحمل الفكر النهضويّ الذي اطلقته الحركة، وهم انطلقوا من صفوفها؟. ألم نلاحظ أنّ التصادم بين الحركة وبين الكهنة والأساقفة الذين خرجوا من صفوفها هو أكثر حدّة منه مع غيرهم من القادة الكنسيّين؟ ألا يكشف هذا الواقع وقوعنا في وهم أنّ وجود الفكر النهضويّ عند القيادة كافٍ وحده لإطلاق حركة رعائية سلمية وفاعلة؟ وبالتالي فإنّ الرعاية هي فعل ينطلق من الراعي القائد إلى الرعيّة وهو المؤثّر الوحيد فيها والضامن لها دون أيّ دور أو تأثير للشعب فيها؟
6- كيف نؤمّن هذا الحضور؟: إنطلاقًا من واقعنا الرعائيّ ومشاكله، سنحصر بحثنا في ثلاثة محاور:
1 – حضورنا في الرعية
2 – حضورنا في مجالس الرعايا.
3 – علاقتنا مع الكاهن.
6- 1: حضورنا في الرعية:
أنا لا أفهم الحركة إلا مقلعًا تنحت منه حجارة حيّة لتُرصف، لا في بناء الحركة كمؤسّسة، بل في بناء الرعيّة التي منها وإليها هي الحركة. كلّ الحجارة، مهما سمت بصلابتها وتجمّلت بنحتها وصقلها، تبقى أطلالاً إذا رُصفت في المقلع ولن تكون بناءً لمجد الله إلا في الرعيّة. لذا أدعو هنا إلى إعادة هيكلية وتنظيم الحركة بما يخدم هذه الرؤية وهذا الهدف.فحضورنا في الرعية يعني حضوراً ملموساً وبارزاً ومباشراً بين أبناء الرعية. عليه أن يكون كاشفاً للخصوصية الحركية. فاعلية الحضور الحركيّ قائمة على تأثيرنا في الرعية من خلال:
6 – 1-1: النشاط التعليمي التربوي الذي تحملّت الحركة مسؤوليته في فترة تراجع هذا الهمّ عند الرعاة وحصر الالتزام الكنسيّ “بحضور” الطقوس والتمسّك بالمظاهر والأشكال التي غاب عنها المضمون الايمانيّ الواعي والهادف.
6 – 1 -2: الشهادة الصادقة للفكر الذي أُنشئنا عليه، الفكر الكتابيّ الابائي القائم على معرفة وعيش تراث كنيستنا وتقليدها وعلى ترجمة هذا التراث في “الآن” و الـ “هنا”. صدقية شهادتنا بين اخوتنا في الرعية هي المحكّ الأساسي لمجمل جهودنا داخل المؤسسة الحركية. فالسمة السائدة على السلوك الديني هي، وللأسف، الانفصام بين المعتقد والفكر من جهة، والحياة والممارسة من جهة أخرى. تالياً، وجب أن يكون للحركي بين أبناء رعيته خلقاً مسيحياً، يجهد من خلاله أن يجعل من إيمانه مكوّناً أساسياً لشخصيته، وأن يحارب أي ميل لثنائية بين الباطن والظاهر. وقد أثبت تاريخ الحركة أن نجاحها في هذا الجهد، بنعمة الله، كان أساسًا لحضور ناجح استقطب الناس حولها وفرض احترامها من قبل من كانوا حتّى مناهضين لفكرها ووجودها.
6 -1 – 3: الحضور الكثيف والمشارك في الحياة الصلاتية والاسرارية للكنيسة وأصوامها ومجمل أنشطتها بغية تبيان الوجه الأصيل لهذه الحياة المتمثّل بكونه الملهم والدافع للخلقية المسيحية والضامن لصدقيتها والمحصّن لها.
6- 2- حضورنا في مجلس الرعيّة:
6-2-1- مجلس الرعيّة: هو الإطار الرسميّ الوحيد المخصّص لمشاركة العلمانيّين في إدارة شؤون كنيستهم والمرتبط مباشرة بالإدارة الكنسيّة الرسميّة، كونه تطبيقًا لقانون صادر عن المجمع المقدس في تموز 1973 ومعدّل عام 1992. إطار العمل فيه الرعيّة الواحدة بإمامة الكاهن. من خلاله يُفسح المجال الأهمّ والأوسع لحضور العلمانيّين ومشاركتهم “في حياة الكنسية والتربية الكنسيّة وإنماء الحياة الروحية وتنمية موارد الرعيّة الماليّة”. (المادة الأولى والثالثة من قانون المجالس). تاليًا، يجب أن تجسّد هذه المجالس الحضور الفاعل والتقريريّ والتنفيذيّ للشعب في حياة رعيّته وأن يفسح بالمجال لكلّ أبناء الرعيّة بالتناوب على الخدمة فيه شرط توفّر الشروط القانونيّة المنصوص عنها في القانون. بدون هذا النوع من الحضور يصبح الحضور التجسديّ للشعب مشكوكًا به.
6-2-2 – فرادة قانون 1973 أنّه جسّد هذه الروحيّة على أفضل صورة ممكنة. لذا انبرت الحركة إلى النضال من أجل تطبيقه دون مواربة، وواجهت كلّ محاولة لمسخ هذا القانون والتلاعب بتطبيقه على حساب هذه الروحيّة. ولكنّ التعديل الذي خضع له هذا القانون عام 1992 كان خطوة إلى الوراء. فاستبدال عبارة “تشارك” الواردة في المادة الثالثة بعبارة “تعاون” عكست تراجعًا في إبراز الدور الشركويّ والتقريريّ لشعب الله في كنيسته. أضف إلى ذلك التعديل الذي أصاب آليّة تجديد أعضاء هذا المجلس (المواد 10-11-12). فالآليّة قبل تعديلها كانت تفسح في المجال أمام أكبر عدد ممكن من أبناء الرعيّة في الإنخراط بعضويّته مع ما يسمح ذلك بنشر الهمّ والمسؤوليّة الرعائيين بين أكبر عدد ممكن من أبناء الرعيّة. فجاء التعديل ليعطي سندًا قانونيًّا لقلّة من أبناء الرعية للإستئثار بعضويّة المجلس إلى أجل غير محدّد – وهذا واقع سلبيّ سعى قانون 1973 إلى تخطّيه – لقد كان واقع بعض الرعايا الصغيرة هو الدافع لمثل هذا التعديل، كما قيل لنا. ولكنّ أيّ واقع خاص مهما اتسع لا يسمح لنا بتشريع يطيح بروحيّة القانون الأساس. وهذا الأمر مطلوب في التشريع الكنسيّ أكثر منه في التشريع المدنيّ، وهو ممكن وميسّر في التشريع الأوّل أكثر منه في الأخير. فوجود مبدأ التدبير لدى الأسقف يسمح له بتخطيّ حرف القانون لملاءمة واقع خاص دون المسّ بروحيّة القانون. وهذا ما لا يتوافر في التشريع المدنيّ. التشريع الكنسيّ مطالبٌ بأن يحمل بذور تخمير في كلّ قانون يصدره، بذورًا تسمح بالتذكير دومًا بروحيّة القانون ولا تضحّي بها، وتعطي له إمكانيّة التطوّر نحو الأفضل خدمةً لإحتياجات الكنيسة المستقبليّة. أمّا نزع هذه البذور فيدفع بالقانون، مستقبلاً، إلى الأسوأ لا إلى الأفضل.
6- 2- 3- من هنا علينا أن ندركه أهميّة دور الحركة في تفعيل هذه المجالس ومدّها بالعنصر البشريّ الذي يؤمّن ضمانة تطبيق روحيّة هذا القانون القائمة على التفاهم والمشاركة بين الراعي والرعيّة. وجود الحركة بكلّ ما فيها من برامج وفرق ونشاطات وخلوات روحيّة وحياة داخلية يفقد معناه ويتحوّل إلى وجود عصبويّ إذا غاب عنه هاجس مدّ هذه المجالس بالفكر النهضويّ – الذي كان أصلاً وراء صدور هذا القانون – من خلال اندراج أعضائها في هذه المجالس وإشاركهم في النشاطات التي يدعو إليها هذا المجلس.
6-2-4- جلّ ما أخشاه أن تتراجع قناعة الحركييّن بصوابيّة هذا القانون والتذرّع بثغرات في تطبيقه بسبب عدم ملاءمته للواقع الرعائيّ. في هذا تبرير لإستسلام دُفِعنا به أمام مصاعب واجهتنا هنا وثمّة. والدليل على ذلك أنّ هذا القانون قد طبّق ويُطبّق على أفضل وجه ممكن. أمّا التراجع في تنفيذه فسببه الأوّل والأخير هو تراجع إنخراط الحركيّين في هذه المجالس، أو إنخراط من هم غير مؤهّلين منهم فيها. إن أبسط عمليّة إحصائيّة لهذا الواقع تكشف لنا بوضوح ودون أيّ مجال للشكّ صوابيّة هذا التفسير لتراجع مجالس الرعايا.
6-3- العلاقة مع الكاهن: في توصيفنا الكاهن كقائد لحركة رعاية شعب الله، أبرزنا وجهه المواهبيّ ضمن الوحدة العضويّة للرعيّة كجسد المسيح. فالكاهن كقائد ومسؤول هو ضمن هذا الجسد يصيبه ما يصيبه ويحقّق خلاصه كعضو فيه من خلال شركته مع رعيّته وتفعيل وتثمير موهبته القياديّة ضمن هذه الرعيّة، وهذا شأن خلاص كلّ عضو فيها. أيّ كلام على الرعاية أو على العلاقة بين الراعي والرعيّة يفقد مضمونه إذا أُفرغ من بعده الخلاصيّ. فإذا كان الراعي مسؤولاً عن خلاص رعيّته، أين أصبحت مسؤوليّة خلاص الكاهن؟ ألا يحتاج الكاهن إلى رعاية؟ هل للرعيّة دور في رعايته؟ وبما أنّ مسؤوليّة نجاح الرعاية مرتبط بحركة رعائيّة متبادلة بين رُكنيها، كما أسلفنا، فما هي مسؤوليّتنا تجاه ضعفات الكاهن؟ تتطلّب الإجابة عن هذه الأسئلة أوراقًا عدّة. نكتفي هنا بعرض بعض الأفكار المنطلقة أولاً من البعد التجسّدي – المواهبيّ – الخلاصيّ، وثانيًا من واقع الرعاية ومشاكلها في رعايانا الأنطاكيّة.
6-3-1- من الخصائص التي يجب أن يتحلّى بها الراعي، والتي تجمعه مع أبناء رعيّته، هي حياته في الروح القدس التي لا يجوز المساومة عليها عند وضع الأيدي. وهذه الخاصيّة ليست مختصّة بالكاهن دون سواه بل هي مشتركة عند كلّ عامل في حقل الرب. غيابها يقصي أيًّا كان من موقع المسؤولية في الكنيسة، فكم بالأحرى هي ضروريّة عند من اختير أن يكون على رأس المسؤوليّات في الكنيسة؟ من أبرز مؤشّرات هذه الحياة التوبة. فالراعي توّاب بامتياز. والتوبة تفترض ضعفات، والضعفات إذا برزت عند الكاهن أصبحت سببًا للعثرة والتشكيك. لذا وجب على الكاهن أن يكون قد تخطّى ضعفات كبرى نصّت القوانين الكنسيّة على عدم توفّرها عند المرشّح إلى الكهنوت، حتى يكون “بريئًا من اللوم” (طي 1)، ودعت إلى اسقاطه من رتبة الكهنوت إذا توافرت عنده بعد سيامته. وهذا لا يعني البتّة ترفعًا أو تنزّهًا عن السقطات عند الكاهن. كيف السبيبل إلى التعاطي مع ضعفات الكاهن؟ هنا يتبدّى لنا وجهٌ بارزٌ من وجوه رعاية الجماعة للكاهن.
6-3-2- رعاية الكاهن من المواضيع التي يندر الحديث عنها. ويجري الخلط بين إعداده وتأمين الشروط الملائمة لعمله الرعائيّ وبين رعايته وهو في خضمّ ممارسته الرعائيّة. فللأب الروحيّ الدور الأبرز في هذا المجال، ويكون عادة إما اسقفه أو كاهنًا آخر أو أحدَ أبناء رعيّته المستنيرين. وتشكّل اجتماعات الكهنة إطارًا هامًّا وضروريًّا من أطر رعاية الكاهن. فمسؤوليّة الأسقف، راعي الرعاة، في تفعيل مثل هذه الإجتماعات وتنظيمها ومتابعتها مسؤوليّة كبرى تسهم في جعل الكهنة – كهنة الرعيّة الواحدة أو كهنة الأبرشية عمومًا – جماعة نموذحيّة في التعامل فيما بينها على قاعدة المحبّة وإحترام فرادة كلّ منهم وإمكانيّة التباين في الآراء وجعل هذا التباين وسيلة لتكامل المواهب لا للخلاف والتجريح. إنّ أسوأ ما يصيب أبناءنا في الرعيّة هو التحزّب “لبولس أو لبطرس أو لأبولوس”. السبب الأوّل، برأيي، لحدوث هذا التحزّب، هو سوء إدارة التباين وتنوّع المواهب لدى الكهنة وعدم تثميرها إيجابًا. الدور الأوّل لتجنّب هذا السوء هو للكاهن الذي يجعل من شخصه ومن فضائله قبلة أنظار رعيّته، ويغيب عنه، بوعي أو بلا وعي، أنّ ما لديه ساقط إذا غاب عنه وجه المسيح الذي منه كلّ العطايا ومنّا عدم الاستحقاق، وأنّ الفضائل والمواهب ليست حكرًا له دون غيره من الكهنة. هذا أكثر ما يهدّد خلاص الراعي والرعيّة.
6-3-3- دور الجماعة في رعاية ضعفات الكاهن مرهون برعاية تَلَمَّسَتْها وتَعَلَّمَتْها منه قبلاً، وبمحبّة تجمعها براعيها. فهي لا تريد له، تجاه ضعفاته، إلاّ ما أرادته هي منه لذاتها تجاه ضعفاتها. رعيّة لا تحبّ راعيها ستجعل من ضعفاته سبيلاً للتشهير بها ولدينونة تحطّم كلّ أوجه الخير عنده وتهدم مجمل ورشة الرعاية، ما ينعكس شرًّا على كلّ أبناء الرعيّة. مسؤوليّة هذا الشرّ لا تُلقى على عاتق ضعفات الكاهن فحسب بل على سلبيّة تعاطي الرعيّة معها. أما الرعيّة المُحِبّة فتستر ضعفات راعيها دون أن تتعامى عنها أو تتجاهلها، بخاصّة إذا كانت معيقة لرعايته، بل تسعى، اولاً، إلى درء خطرِها عن الرعيّة ومن ثمّ التعامل مع حاملها تعاملاً رعائيًا أساسه وعيّ لوحدة جِبْلَتِنا ومعطوبيّتها. المبادر الأوّل لقيام المحبّة بين الراعي والرعيّة هو الراعي. عليه هو أن يحبّ أوّلاً. “نحن لم نحبّ الله، الله هو الذي أحبّنا أوّلاً” (1 يو 4: 10)، “لأنّ حبّ الله لنا سابقٌ لحبّنا له” (1 يو 4: 19). وعلى محبّته أن تكون باذلة وغير نفعيّة لأنّها صورة عن محبّة يسوع الراعي الصالح. محبّة الرعيّة للراعي إنعكاس لمحبّته لها. وأوقات الشدّة ستظهر صدقيّة محبّة هذا الأخير لها أو زيفها.
ولهذه المحبّة أن تظهر أيضًا في أوقات الصفاء والتوفيق من خلال قولٍ طيّب وتشجيع وثناء. أن يستشعر كاهنٌ تقدير رعيّته في ما يقوم به من إنجازات أمرٌ مطلوب. شرط أن يكون طبيعيًّا، صادقًا وبعيدًا عن التبجيل والمديح المفرط، لأنّ فيهما ضررًا روحيًّا. فإظهار وجوه الإبداع والنجاحات في سلوك الراعي يدفع به إلى الإقدام في إبراز مواهبه الرعائيّة دون تكبّر أو مبالغة في تقديرها. هذا القول الطيّب الصادق والموزون يولّد ثقة متبادلة بين الراعي والرعيّة تظهر أكثر ما تظهر في مواجهة الكاهن لضعفاته. فالذين قَبِل منهم الثناء بمحبّة وصدق عليه أن يقبل منهم لومًا أو عتبًا، لأنّ المحبّة والصدق هما الدافعان إلى مثل هذا السلوك في كلتا الحالتين.
6-3-4- من هو المؤهّل للتعامل رعائيًّا مع ضعفات الكاهن؟ من نافل القول أنّ هذه المهمّة مغلقة في وجه من هم أقل تمرسًا في الحياة المسيح وأقل توبة ومحبّة ومعرفة. إضافة إلى أنّ الكاهن مسؤول أوّلاً وأخيرًا أمام ربّه وسيقدّم له حسابًا عمّا أخطأ أو أصاب. وتتجسّد مسؤوليّته أمام الله بمسؤوليّته أمام أسقفه الذي انتدبه للرعاية. على العلمانيّ أن ينـزع من رأسه (كشخص وكجماعة) أنّ الكاهن عاملٌ عنده وهو ربّ عمله. الله وحده هو ربّ عمل الكاهن مجسَّدًا بأسقفه. فأيّ شكوى أو ملاحظة يجب أن تعالج أوّلاً بلقاءِ الوجوه، لقاء تسوده المحبّة البنّاءة والصراحة الصادقة. أثبت لقاء الوجوه فعاليّته في مقابل التشهير والنميمة والإستغابة، فإذا تعذّر الحلّ فليكن كلّ شيء بإشراف الأسقف. وللجماعة أن تسير بما تفاهم عليه الأسقف والكاهن والمؤهلّون من الرعيّة للتعاطي في مثل هذه المسائل.
وأختم بما قاله الرسول بولس:
“وإذا عملنا الحقّ بالمحبّة نَمَوْنا وتقدّمنا في جميع الوجوه نحو ذاك الذي هو الرأس، نحو المسيح: فإن به إحكامَ الجسد كلّه والتحامَه، والفضلُ لجميع الأوصال التي تقوم بحاجته، ليتابع نموّه بالعمل الملائم لكلّ من الأجزاء وينبني بالمحبّة”. (أفس4: 15-16).
“ذكّرهم أن يخضعوا لذوي الرئاسة والسلطان ويطيعوهم، ويكونوا متأهّبين لكلّ عمل صالح، فلا يشتموا أحدًا ولا يكونوا مماحكين، بل حلماء يعاملون جميع الناس بكلّ وداعة” (طي 3 : 1-3).
الميناء – عيد ميلاد السيدة العذراء – 2008
__________________
🅡 أعدّ هذه الورقة بصيغتها الأوّلية الأب مخائيل الدبس، وبعد بحث ونقاش وتعديلات تمّ إقرارها في المؤتمر الحركيّ العام الأربعون العام 2008.