حلقة أخلاقيّات عِلم الحياة
بدء الحياة وإشكاليّاته الطبّيّة الأخلاقيّة:
بعد المحاضرة الافتتاحيّة، ألقى د. فادي أبو مراد حديثًا تطرّق فيه إلى قضيّة بدء الحياة من وجهة نظر طبّيّة. استهلّ المحاضر كلمته بإيضاح ماهيّة خلايا المنشأ. وهي خلايا غير متخصّصة نستطيع بواسطتها تكوين كلّ الخلايا الأخرى، ويمكن استمدادها من داخل الجسم (الدم، نخاع العظم، العصب) أو من خارجه (الخلايا الجنينيّة). وشدّد أبو مراد على أهمّيّة التمييز، في حال الخلايا الجنينيّة، بين تلك التي تسبق التعشّش في رحم الأمّ (حوالى مئة خليّة تنشأ في الأيّام السبعة الأولى)، وتلك التي تليها. ثمّ عرّج على بعض الصعوبات التي تشوب طرق العلاج بخلايا المنشأ، كعدم القدرة على تأمين استقرار أو نظافة كليّة للخلايا، وعدم تقبّل الجسم المعالَج، وإمكان تحوّل خلايا المنشأ إلى أورام سرطانيّة، وجهل الأثر الذي ربّما تخلّفه خلايا المنشأ المستخدمة في العلاج على الأنسجة الأخرى. ولقد أدّت هذه المشاكل إلى تأخّر التجارب على خلايا المنشأ في السنين الأخيرة المنصرمة، فضلًا عن التساؤل الأخلاقيّ عن مستقبل الأجنّة ومصيرها.
في ما يختصّ بالإنجاب المساعد والتلقيح في المختبر (IVF)، لخّص المحاضر الإشكاليّات المطروحة على النحو الآتي:
-التربية والمعلومات عن تقنيّات الإنجاب ووظيفة بعض وسائل منع الحمل.
-الفحوصات على الجنين التي تسبق الحمل، ومحاولة معالجة الجنين (إذا اكتشفنا مثلًا أنّ المولود سيصاب بسرطان الثدي)، أو السيطرة على "النتيجة"، بما فيها التحكّم في "جنس" المولود.
-نوعية الرعاية والإرشاد اللذين يُقدَّمان في حالات كهذه (مثلًا اقتراح تقنيّة زرع خارج الرحم لأزواج لم يتثبّت العقم لديهم)، ومشاكل السرّيّة الطبّيّة والأسئلة المفتوحة قانونيًّا.
وبعدما أشار المحاضر إلى أنّ ثمة، على المستوى العالميّ، رأيين، الأوّل يقول بضرورة تخفيف آلام الناس عبر التلقيح في المختبر (IVF)، فيما يدعو الثاني إلى الاهتمام بالبشر والاستغناء عن مثل هذا التلقيح، شدّد على أنّ السؤال، في التحليل الأخير، هو إذا كانت البويضة الملقّحة (blastocyte) واحدًا منّا أم لا.
في الشقّ الأخير من الحديث، عرض أبو مراد ما يشهده الوضع اللبنانيّ من فوضى. فثمة ستّة عشر مركزًا يعملون بلا قانون موحّد، علمًا بأنّ بعضها لديه ضرب من القانون الداخليّ الذي ينسجم مع رؤية الطائفة أو المجموعة التي تديره. طبعًا، يفترض قانون الآداب الطبّيّة موافقة الزوجين (couple) على كلّ إجراء طبّيّ، غير أنّ الموافقة الخطّيّة ضروريّة في حال الإجهاض فقط. مشروع القانون الذي أعدّته الدولة اللبنانيّة يقول بعدم استخدام الأجنّة للأبحاث، لكنّه يسمح بتفريزها (congélation). السؤال الذي يفرض ذاته هو عن القوانين التي تسوس مستقبل الأجنّة المفرّزة.
3. حلقات العمل
عقد المشاركون حلقتي عمل تدارسوا في إحداهما إشكاليّة بدء الحياة في تداعياتها الأخلاقيّة، فيما انصرفوا في الأخرى إلى وضع آليّة متابعة للعمل على القضيّة المطروحة.
في ما يختصّ بالشقّ الأخلاقيّ، تمخّض النقاش، أوّلًا، عن السؤال عن مدى إمكان التمييز بين بدء الحياة وبدء الإنسان. فالحياة ديناميّة بيولوجيّة وصفة من صفات الخليّة لا تنطبق على الحيوان والنبات فحسب، بل على الحيوانات المنويّة والبويضة قبل عمليّة التلقيح، علمًا بأنّ البويضة الملقّحة تختلف عن الخلايا الأخرى عبر وجود الشيفرة الجينيّة (genom) فيها. هي، إذًا، مشروع إنسان أو إنسان بالقوّة، لكونها تمتلك طاقة الحياة الإنسانيّة كلّها. فضلًا عن ذلك، إنّ ما يجعل الإنسان إنسانًا (ماهيّة الإنسان) لا يفترض صحّة الشكل الخارجيّ أو الوعي أو القدرة على التواصل أو الضمير الحيّ. فالمعوّقون جسديًّا وعقليًّا والمجرمون ليسوا أقلّ إنسانيّةً من البشر الآخرين.
من جهة أخرى، تدلّ الخبرة على أنّ "إنسانيّة" الكيان الإنسانيّ تنمو وتتموضع وتدخل وعي البشر المحيطين به على نحو تدريجيّ وأنّنا نتعامل شعوريًّا مع إجهاض جنين بشكل مختلف عن تعاملنا مع قتل إنسان نراه "واقعيًّا" أمام أعيننا، ما يطرح السؤال عن مدى مشروعيّة استعمال خلايا المنشأ لإنقاذ كائن حيّ في بعض الحالات. فإذا كان الجنين، من وجهة نظر لاهوتيّة، مشروعًا تعهّده الله، عبر التجسّد، منذ بدء حبل مريم بالكلمة الإلهيّ – وتاليًا مشروعًا وضعه الله في عهدتنا لنحميه، إلى أيّ مدى يجوز تدبّر هذا المبدأ الأساسيّ في بعض الحالات الاستثنائيّة، وذلك مثلًا بغية إنقاذ إنسان أحبّه الله أيضًا وأوصى بتعهّده وحمايته؟
أخيرًا، لفت بعضهم إلى البعد الاجتماعيّ للإجهاض: إلى أيّ مدى، مثلًا، ثمة احتضان حقيقيّ للمرأة التي تحبل بالصدفة أو بالقوة – كما في حالات الاغتصاب في الحروب؟ كما أشار آخرون إلى أنّ غائيّة أيّ عمل تؤثّر في ما يُضفى عليه من معنى، فذبح دجاجة، على سبيل المثال، مختلف عن عمليّة جراحيّة.
أمّا في ما يتعلّق باستراتيجيّة التحرّك المستقبليّ فلقد تمّ الاتّفاق على الخطوات الآتية:
-نشر تقرير عن عمل المجموعة المشاركة في الحلقة يوزّع على الدوريّات الأرثوذكسيّة المطبوعة (النشرة البطريركيّة، العربيّة، ... إلخ). مجلة النور، إلخ) والإلكترونيّة خلال مدّة لا تتجاوز الأشهر الثلاثة، مع الحثّ على مناقشة الموضوع في فرق حركة الشبيبة الأرثوذكسيّة والأوساط الشبابيّة والكنسيّة على اختلافها.
-الطلب من الأمانة العامّة في حركة الشبيبة الأرثوذكسيّة إنشاء بنك معلوماتيّ (data-base) يرصد الأطبّاء والقانونيّين واللاهوتيّين والفلاسفة وعلماء الاجتماع الأرثوذكس المهتمّين بالموضوع في لبنان وسوريّا، ولا سيّما ذوي الالتزام الإيمانيّ، خلال مدّة لا تتجاوز الأشهر الستّة.
-تحضير استمارة تستند الإجابة على أسئلتها إلى مبدأ اختيار الجواب الصحيح (multiple choice) وتوزيعها على الأطبّاء المعنيّين. ويتابع كلّ من د. ميساء بشارة، د. نجيب جهشان وفادي أبو مراد، بالتنسيق مع الأمانة العامّة، إعداد الاستمارة وتوزيعها، فيما يشرف د. حميد الدبس على فرز الأجوبة وتقييمها.
-القيام بزيارة إلى السيّد البطريرك يشارك فيها، بالإضافة إلى الأمين العامّ، كلّ من ميساء بشارة ونجيب جهشان، وذلك لإطلاعه على خطّة العمل والتزوّد بنصائحه.
-عقد لقاء ثانٍ للمجموعة المشاركة، صيف العام 2010، لتدارس النتائج والتحضير لمؤتمر موسّع عن أخلاقيّات علم الحياة.