حلقة أخلاقيّات عِلم الحياة

 

بدء الحياة وإشكاليّاته الطبّيّة الأخلاقيّة: 

حلقة تفكيريّة في عين عار

دعت الأمانة العامّة في حركة الشبيبة الأرثوذكسيّة إلى حلقة تفكيريّة في مسألة بدء الحياة وما يصدر عنها من تحدّيات طبّيّة وأخلاقيّة، عُقدت في بيت الضيافة التابع لحركة الفوكولاري في عين عار يومي الواحد والثلاثين من تمّوز والأوّل من آب من العام 2009. وقد أشرف على إعداد الحلقة وتنسيقها الإخوة فادي أبو مراد وجورج تامر وأسعد قطّان وخريستو المرّ.

1. المحاضرة الافتتاحيّة
استُهلّت الحلقة بمحاضرة ألقاها د. جورج تامر تناول فيها مفهوم الإنسان من وجهة نظر فلسفيّة. أشار المحاضر، أوّلًا، إلى أنّ ثمة سرًّا للإنسان يحتّم أن يكون الكلام عليه، في أحيان كثيرة، ذا طابع تنزيهيّ. بعد ذلك، لفت تامر إلى وجود ملامح لفهم الإنسان لدى الفلاسفة اليونان الذين سبقوا سقراط تتلخّص في أنّ الإنسان هو "آخر الآلهة"، مؤكدةً ما يعتري طبيعته من نقص وضعف بخلاف الآلهة الذين يتمتّعون بالكمال.
ولقد انطلق الفلاسفة من هذا المعطى ليتبصّروا في كيفيّة تحسين الوضع الإنسانيّ، وذلك عبر تفكّرهم في إقامة نظام أخلاقيّ وسياسيّ. ولئن أدّى التطوّر العلميّ إلى تغيّر في الأجوبة، إلّا أنّ ثمة عددًا من الأفكار القديمة ما زال حاضرًا في الجوهر رغم اتّخاذه أشكالًا جديدة، كمثل القول إنّ سعادة الإنسان تتأتّى من تحسين وضعه الجسديّ والماديّ والروحيّ. ويُفضي هذا إلى التشديد على السياسة، ولا سيّما لدى أرسطو والفلاسفة العرب، فالمجتمع المنظّم سياسيًّا هو ما يؤمّن للفرد البنية التحتيّة التي توصله إلى السعادة. في هذا السياق، اعتبر الفلاسفة العرب أنّ الكمال الأوّل هو اقتناء الخيرات الأرضيّة، فيما الكمال الثاني هو حيازة المعرفة.
فضلًا عن ذلك، ركّز المحاضر على التداخل الذي شهدته القدامة بين الفلسفة والطبّ. فعدد من الفلاسفة، مثل جالينوس وابن سينا وابن رشد، كانوا أيضًا أطباء. هذا التداخل أنتج نظرةً كليّةً إلى الإنسان عدّت أنّه من غير الممكن الاهتمام بالنفس من دون الاعتناء بالجسد، وذلك رغم المقاربة الأفلاطونيّة التي اعتبرت أنّ النفس أسيرة الجسد. بحسب أرسطو، الجسد في قواه هو من يعيش كمواطن، فيسلك في درب السعادة ويسعى إلى تحسين أوضاع الإنسان. ثمة، إذًا، بذرة فلسفيّة لاجتهاد الطبّ في رفع شأن الوضع الإنسانيّ.
ولقد ظلّ الفلاسفة مقتنعين بأنّ ثمة ضعفًا ما سيلازم الإنسان، حتّى ظهور فريدريش نيتشه (1844-1900) الذي نحت مفهوم "الإنسان الأعلى" (Übermensch). ولقد رأى هذا الفيلسوف أنّ إرادة السلطة والهيمنة لدى الإنسان تؤهّله لتخطّي واقعه. هذه الرغبة في السموّ في منأى عن الله (لأنّ الله مات بحسب نيتشه) هي محرّك الإنسان إلى تجاوز واقعه وهي، لدى نيتشه، ذات قيمة معياريّة (normative).
واكب الفكر الفلسفيّ، في رأي تامر، الثورات العلميّة وتأثّر بها. ولقد طرحت هذه الثورات على الفلسفة أسئلةً جديدة بقي الإنسان محورها طبعًا. الفيلسوف إيمانويل كانط (1724-1804)، الذي عالج مسألة المعرفة البشريّة، طرح أربعة أسئلة شهيرة هي:

ماذا أستطيع أن أعرف؟ وهذا موضوع الميتافيزيقا.
ماذا ينبغي أن أعمل؟ وهذا موضوع الأخلاق.
ماذا يجوز لي أن أرجو؟ وهذا موضوع الدين.
ما هو الإنسان؟ وهذه هي الفلسفة الفعليّة أو الأنثروبولوجيا.

كانط، طبعًا، لا يجيب على السؤال الأخير، وليس ثمة فيلسوف يعطي جوابًا. الفلاسفة، على وجه العموم، يعالجون قضيّة الطاقات الإنسانيّة، لكنّهم لا يعطون تحديدًا فلسفيًّا للإنسان في ما خلا التشديد على اختلافه الكيانيّ عن الآلهة أو الله.

في ختام محاضرته، أشار تامر إلى أنّ الاستنساخ طرح على الفلاسفة أسئلةً جديدةً. وتتلخّص الجهود الفلسفيّة للتعامل مع هذا الموضوع بموقفين: الموقف الأوّل، الذي يتبنّاه مثلًا الفيلسوف الأستراليّ بيتر سينجر (Singer)، يدعو إلى ضرورة احترام منطق العلم وسعيه إلى تحسين الوراثة البشريّة (eugenics). الموقف الثاني يمثّله في ألمانيا خصوصًا الفيلسوف يورغن هابرماس (Habermas) في كتابه "مستقبل الطبيعة البشريّة"، حيث يلجأ إلى قصّة الخلق في الكتاب المقدّس لكونها، في رأيه، تمثّل مشروع جواب على السؤال عن حدود ذهاب العلم في سعيه إلى تحسين الطبيعة البشريّة. عند هابرماس أنّ اللغة الدينيّة قادرة على التعبير بطرق تعجز عنها الفلسفة. وفي رأيه أنّ حكاية الخلق تكشف وجود فجوة أُنطولوجيّة بين الخالق والمخلوق. وتضمن هذه الفجوة أنّ البشر جميعًا على مسافة واحدة من الخالق الذي هو "آخر" في طبيعته. هذه الفجوة هي أيضًا ضمان الحرّيّة البشريّة. ينتج من هذا أنّه لا يحقّ لي كإنسان التحكّم في الطبيعة البشريّة لا إيجابًا ولا سلبًا، فمثل هذا التحكّم ربّما يؤدّي إلى هيمنة طبقة من البشر على مصائر البشريّة وزوال الحرّيّة.

2. بدء الحياة بين الطبّ والأخلاق

بعد المحاضرة الافتتاحيّة، ألقى د. فادي أبو مراد حديثًا تطرّق فيه إلى قضيّة بدء الحياة من وجهة نظر طبّيّة. استهلّ المحاضر كلمته بإيضاح ماهيّة خلايا المنشأ. وهي خلايا غير متخصّصة نستطيع بواسطتها تكوين كلّ الخلايا الأخرى، ويمكن استمدادها من داخل الجسم (الدم، نخاع العظم، العصب) أو من خارجه (الخلايا الجنينيّة). وشدّد أبو مراد على أهمّيّة التمييز، في حال الخلايا الجنينيّة، بين تلك التي تسبق التعشّش في رحم الأمّ (حوالى مئة خليّة تنشأ في الأيّام السبعة الأولى)، وتلك التي تليها. ثمّ عرّج على بعض الصعوبات التي تشوب طرق العلاج بخلايا المنشأ، كعدم القدرة على تأمين استقرار أو نظافة كليّة للخلايا، وعدم تقبّل الجسم المعالَج، وإمكان تحوّل خلايا المنشأ إلى أورام سرطانيّة، وجهل الأثر الذي ربّما تخلّفه خلايا المنشأ المستخدمة في العلاج على الأنسجة الأخرى. ولقد أدّت هذه المشاكل إلى تأخّر التجارب على خلايا المنشأ في السنين الأخيرة المنصرمة، فضلًا عن التساؤل الأخلاقيّ عن مستقبل الأجنّة ومصيرها.

في ما يختصّ بالإنجاب المساعد والتلقيح في المختبر (IVF)، لخّص المحاضر الإشكاليّات المطروحة على النحو الآتي:

-التربية والمعلومات عن تقنيّات الإنجاب ووظيفة بعض وسائل منع الحمل.

-الفحوصات على الجنين التي تسبق الحمل، ومحاولة معالجة الجنين (إذا اكتشفنا مثلًا أنّ المولود سيصاب بسرطان الثدي)، أو السيطرة على "النتيجة"، بما فيها التحكّم في "جنس" المولود.

-نوعية الرعاية والإرشاد اللذين يُقدَّمان في حالات كهذه (مثلًا اقتراح تقنيّة زرع خارج الرحم لأزواج لم يتثبّت العقم لديهم)، ومشاكل السرّيّة الطبّيّة والأسئلة المفتوحة قانونيًّا.

وبعدما أشار المحاضر إلى أنّ ثمة، على المستوى العالميّ، رأيين، الأوّل يقول بضرورة تخفيف آلام الناس عبر التلقيح في المختبر (IVF)، فيما يدعو الثاني إلى الاهتمام بالبشر والاستغناء عن مثل هذا التلقيح، شدّد على أنّ السؤال، في التحليل الأخير، هو إذا كانت البويضة الملقّحة (blastocyte) واحدًا منّا أم لا.

في الشقّ الأخير من الحديث، عرض أبو مراد ما يشهده الوضع اللبنانيّ من فوضى. فثمة ستّة عشر مركزًا يعملون بلا قانون موحّد، علمًا بأنّ بعضها لديه ضرب من القانون الداخليّ الذي ينسجم مع رؤية الطائفة أو المجموعة التي تديره. طبعًا، يفترض قانون الآداب الطبّيّة موافقة الزوجين (couple) على كلّ إجراء طبّيّ، غير أنّ الموافقة الخطّيّة ضروريّة في حال الإجهاض فقط. مشروع القانون الذي أعدّته الدولة اللبنانيّة يقول بعدم استخدام الأجنّة للأبحاث، لكنّه يسمح بتفريزها (congélation). السؤال الذي يفرض ذاته هو عن القوانين التي تسوس مستقبل الأجنّة المفرّزة.

3. حلقات العمل

عقد المشاركون حلقتي عمل تدارسوا في إحداهما إشكاليّة بدء الحياة في تداعياتها الأخلاقيّة، فيما انصرفوا في الأخرى إلى وضع آليّة متابعة للعمل على القضيّة المطروحة.

في ما يختصّ بالشقّ الأخلاقيّ، تمخّض النقاش، أوّلًا، عن السؤال عن مدى إمكان التمييز بين بدء الحياة وبدء الإنسان. فالحياة ديناميّة بيولوجيّة وصفة من صفات الخليّة لا تنطبق على الحيوان والنبات فحسب، بل على الحيوانات المنويّة والبويضة قبل عمليّة التلقيح، علمًا بأنّ البويضة الملقّحة تختلف عن الخلايا الأخرى عبر وجود الشيفرة الجينيّة (genom) فيها. هي، إذًا، مشروع إنسان أو إنسان بالقوّة، لكونها تمتلك طاقة الحياة الإنسانيّة كلّها. فضلًا عن ذلك، إنّ ما يجعل الإنسان إنسانًا (ماهيّة الإنسان) لا يفترض صحّة الشكل الخارجيّ أو الوعي أو القدرة على التواصل أو الضمير الحيّ. فالمعوّقون جسديًّا وعقليًّا والمجرمون ليسوا أقلّ إنسانيّةً من البشر الآخرين.

من جهة أخرى، تدلّ الخبرة على أنّ "إنسانيّة" الكيان الإنسانيّ تنمو وتتموضع وتدخل وعي البشر المحيطين به على نحو تدريجيّ وأنّنا نتعامل شعوريًّا مع إجهاض جنين بشكل مختلف عن تعاملنا مع قتل إنسان نراه "واقعيًّا" أمام أعيننا، ما يطرح السؤال عن مدى مشروعيّة استعمال خلايا المنشأ لإنقاذ كائن حيّ في بعض الحالات. فإذا كان الجنين، من وجهة نظر لاهوتيّة، مشروعًا تعهّده الله، عبر التجسّد، منذ بدء حبل مريم بالكلمة الإلهيّ – وتاليًا مشروعًا وضعه الله في عهدتنا لنحميه، إلى أيّ مدى يجوز تدبّر هذا المبدأ الأساسيّ في بعض الحالات الاستثنائيّة، وذلك مثلًا بغية إنقاذ إنسان أحبّه الله أيضًا وأوصى بتعهّده وحمايته؟

أخيرًا، لفت بعضهم إلى البعد الاجتماعيّ للإجهاض: إلى أيّ مدى، مثلًا، ثمة احتضان حقيقيّ للمرأة التي تحبل بالصدفة أو بالقوة – كما في حالات الاغتصاب في الحروب؟ كما أشار آخرون إلى أنّ غائيّة أيّ عمل تؤثّر في ما يُضفى عليه من معنى، فذبح دجاجة، على سبيل المثال، مختلف عن عمليّة جراحيّة.

أمّا في ما يتعلّق باستراتيجيّة التحرّك المستقبليّ فلقد تمّ الاتّفاق على الخطوات الآتية:

-نشر تقرير عن عمل المجموعة المشاركة في الحلقة يوزّع على الدوريّات الأرثوذكسيّة المطبوعة (النشرة البطريركيّة، العربيّة، ... إلخ). مجلة النور، إلخ) والإلكترونيّة خلال مدّة لا تتجاوز الأشهر الثلاثة، مع الحثّ على مناقشة الموضوع في فرق حركة الشبيبة الأرثوذكسيّة والأوساط الشبابيّة والكنسيّة على اختلافها.

-الطلب من الأمانة العامّة في حركة الشبيبة الأرثوذكسيّة إنشاء بنك معلوماتيّ (data-base) يرصد الأطبّاء والقانونيّين واللاهوتيّين والفلاسفة وعلماء الاجتماع الأرثوذكس المهتمّين بالموضوع في لبنان وسوريّا، ولا سيّما ذوي الالتزام الإيمانيّ، خلال مدّة لا تتجاوز الأشهر الستّة.

-تحضير استمارة تستند الإجابة على أسئلتها إلى مبدأ اختيار الجواب الصحيح (multiple choice) وتوزيعها على الأطبّاء المعنيّين. ويتابع كلّ من د. ميساء بشارة، د. نجيب جهشان وفادي أبو مراد، بالتنسيق مع الأمانة العامّة، إعداد الاستمارة وتوزيعها، فيما يشرف د. حميد الدبس على فرز الأجوبة وتقييمها.

-القيام بزيارة إلى السيّد البطريرك يشارك فيها، بالإضافة إلى الأمين العامّ، كلّ من ميساء بشارة ونجيب جهشان، وذلك لإطلاعه على خطّة العمل والتزوّد بنصائحه.

-عقد لقاء ثانٍ للمجموعة المشاركة، صيف العام 2010، لتدارس النتائج والتحضير لمؤتمر موسّع عن أخلاقيّات علم الحياة.