مِن الأخ كوستي بندلي
تعليقات ومقترحات حول قرارات المؤتمر الحركي (27 - 29 تشرين الثاني 2009).
مرفوعة إلى الأمين العام رينيه أنطون
حول القرارين رقم 3 و4
استحسن كثيراً فكرة "حلقات المصارحة" مع البطريرك والمطارنة، من جهة، كي يبقى الحوار قائمًا، وأتمنى لو تصبح دورية، وكي يشعر البطريرك أو المطران المعني، من جهة أخرى، أن الحركة تعتبره فعلاً مرجعًا لها، مما يقطع الطريق أمام الإشاعات المغرضة بأن الحركة كنيسة ضمن الكنيسة.
أما بشأن استعجال الرعاة في تشكيل مجالس الأبرشيّات، فأتمنّى لو يُرفع إلى كل مطران معنيّ الاقتراح الذي كنت، على ما أذكر، قد رفعته إلى مطران طرابلس الراحل منذ حوالي 30 سنة، والذي يقضي بأن يدعو المطران الرعايا التي لم تُشكّل بعد مجالسها إلى تشكيلها ضمن مهلة محددة، يُصار في نهايتها، حكمًا، إلى تشكيل مجلس الأبرشية على أساس مجالس الرعايا القائمة عند ذاك.
القرار 5
أرى أن إعادة النظر في نظام الفروع خطوة مباركة طالما انتظرتها ودعوت إليها. لقد أثبتت لي متابعتي الطويلة لخبرة مركز طرابلس أن نظام الفروع الحاضر الذي اعتُمد فيه عام 1970 يشكو من عيب أساسي، وهو أنه أفقدَ المركز القاعدة الجغرافية الثابتة التي كانت تجسّد وترسّخ باستمرار وحدة فروعه، والمتعذّية بمجلس الفروع القائم في المدينة والمؤلّف من حركيّي المدينة (وبالتالي يسهل لقاؤهم)، ومن منطلقه كان يحتضن الفروع الموجودة في القرى ويتفاعل معها ويساعد على بنائها وتنميتها، مفتقدًا إياها كل يوم أحد بانتدابه إليها كوكبة من نخبة حركيّي وحركيّيات المدينة يتوزعون عليها ويساهمون في إطلاق نشاطاتها وتدريب قياديّيها، فينتعشون بذلك ويُنعشون.
القرار 6
أرى أن إصدار "دليل المرشد" المقترح فكرة وجيهة، وأسمح لنفسي باقتراح أن يكون بين المستندات التي سوف يحويها، مقال لي ألقيته صيف 1963 في حلقة حركيّة عُقدت في حصرون (وقد نُشر بعدها في موقع "الحركة" لمقالاتي على الإنترنت)، وهو بعنوان "شخص المسؤول" ويستلهم أفكار أحد كبار المربّين المسيحيّين المعاصرين، مؤسس حركة Cœurs Vaillants
القرار 7
أرى أنه من باب منتهى الواقعية أن يتم تقسيم الفرق بناءً على عدد الأشخاص القادرين فعلاً على الإرشاد في الوقت الراهن، بدل أن نرتجل "مرشدين" لمجرد ضرورة تلبية حاجات فرقة تألفت دون النظر إلى إمكانية تأطيرها الإرشادي. إن الأمر يتعلق بحقيقة بديهية عبّرَت عنها الحكمة الشعبية بقولها: "على قد بساطك مد رجليك".
إنما لا يكفي، بنظري، أن نوفّر لكل فرقة المرشد المؤهَّل لإرشادها، إذ إنه ينبغي أيضاً أن نوفّر لهذا المرشد الوسائل الكفيلة بأن تساعده في العمل الحساس الذي عُهد به إليه، ومنها برأيي الوسيلتين التاليتين:
-التعارف الفعلي بين أعضاء الفرقة:
لا يكفي أن يتواجد أعضاء الفرقة بانتظام في مكان واحد وبإشراف مرشد واحد، ليتم بينهم ذلك الالتحام الذي، بدونه، لا يمكن أن يشكلوا وحدة حياتية تستحق، فعلاً لا شكلاً، اسم "فرقة". الأهم بكثير من الاجتماع المكاني هو اللقاء الوجداني. هذا ما أفهم من كلام يسوع: "وأقول لكم: إذا اتفق اثنان منكم على الأرض على طلب أية حاجة، فإنهما يحصلان عليها من أبي الذي في السماوات. فحيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي كنت هناك بينهم" (متى 18: 19 و20). حيث من الواضح أن ما هو مقصود "بالاجتماع" هنا ليس مجرد التواجد المكاني بل التوافق الوجداني.
لذا اقتضى السعي، بشتى الوسائل، إلى إحلال هذا التوافق في الفرقة بحيث تنشأ بين أفرادها من جهة، وبينهم وبين المرشد من جهة أخرى، صداقة فعلية تكون، في هذه الفرقة، خير تجسيد ملموس للمحبّة الإنجيلية وخير قناة لنموّهم معًا في هذه المحبة التي بها يتحقق وجود المسيح بينهم. ومن وسائل إحلال هذه الصداقة، أخص بالذكر ما يمكن تسميته بالتعارف المطوّر، وهو أسلوب اختبرناه طويلاً، في النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي، في فرقتين طلابيتين رائدتين هما فرقة "الماء الحي" وفرقة "كوكب الصبح"، وامتد بعد ذلك إلى فرقة حالية من أسرة العاملين في فرع الميناء، هي فرقة "بهاء الرب" (وهي من أفضل فرق الفرع ولها تاريخ عريق وغني بالمنجزات ونجاحًا) حيث صادف ترحيباً. لذا يمكن الرجوع إلى هذه الفرقة في حال اعتماد هذا الأسلوب والعمل على تعميمه.
-اعتماد أسلوب حيّ في التربية الدينية:
ثم إنه، إذا كان لا بد من تمتع المرشد بثقافة دينية متينة وبروحانية أصيلة، فإن هذين الشرطين، على أهميتهما البالغة وصعوبة تحقيقهما، لا يكفيان لتمكينه من إيصال ثقافته وروحانيته إلى من عُهد إليه بإرشادهم. فما السبيل إذًا لتحقيق هذا الإيصال؟ الجواب هو أن يجمع المرشد إلى الصفتين الآنفتي الذكر صفة المربّي. ولكي أوضح ما المقصود بذلك، أسمح لنفسي بالعودة إلى تجربتي الخاصة، لا لأنها الوحيدة الممكنة، بل لأنني أعرفها أكثر من سواها. يُحكى عني في أوساط الحركة أنني مربٍّ ناجح. لذا طلب مني صديق مؤخراً، وهو أحد مؤسسي الحركة، أن أسجل زبدة خبرتي التربوية في الحركة ليستفيد منها آخرون. أجبته وقتها أن لا داعي لذلك لأن هذه الخبرة إنما هي مسجلة في نمط معالجتي لمواضيع كتبي. ولكنني رأيت بعد ذلك أن هذا لا يكفي، لذا حرصت، في ملف أعددته مؤخراً ورفعته إلى الأمين العام، صديقي رينيه أنطون، وهو يتعلق بمصير كتبي، على أن أبرز السمات التي أرى أن كتبي تتميز بها، والتي أعتقد أنها تفسر وقعها على القراء. أود هنا أن ألخص إلى أبعد حد هذه السمات، مختزلاً إياها بالنقطتين التاليتين:
أ- إن حديثي عن الله يمرّ دائماً بخوضي في هموم الناس، بحديثي عن هواجسهم ومشاكلهم الراهنة ومتاعبهم وتساؤلاتهم.
ب- إن حديثي عن الله يعتمد لغة الناس، فهو يحاكي قدر الإمكان لغة الحياة اليومية، بسلاستها ووضوحها، ويخاطب إلى أبعد حد هذا العقل الذي أقامه الله في الإنسان شاهداً له رغم عثراته وتقصيره. هاتان النقطتان تؤولان إلى غاية واحدة: أن يظهر الله عبرهما، لمن أخاطبه، قريباً منه، لصيقاً بحياته، معنياً بشؤونه، وإلا فكيف يستطيع هذا المرء أن يقترب من الله، وأن يفتح له قلبه، وأن يتقبله، لا كمجرد كلام غريب ولكنه جميل في ذهنه، بل كحضور حميم، ملتهب وملهب، محوّل لحياته؟ الله "الساكن في النور الذي لا يُدنى منه"، هو أبداً البادئ بالاقتراب منّا ليتسنى لنا أن نقترب بدورنا منه. هذا ما فهمناه بنوع خاص من أعجوبة التجسد. أدركنا بها أن الله إنما هو "الواقف أبدًا على الباب ويقرع".
بعد ذلك هل يكون من باب الادعاء أن أتمنى على المرشدين أن يطالعوا كتبي، التي هي حصيلة خبرة عمر ومجهوده؟ لا ليقلدوني بل ليستلهموا نهجي بطريقتهم الخاصة وأسلوبهم الفريد. يؤلمني أحياناً أن أطالع في مجلة "النور" مقالات عن مواضيع سبق لي أن عالجتها، وأن لا أجد فيها إشارة تنبئ بأن كاتبها اطّلع يوماً على ما كتبته بصدد الموضوع الذي تطرق إليه بدوره. أليس هناك تراث حركيّ يمتد وينتقل ويتجدد في استمراريته؟ وأوليست كتبي جزءاً وحلقة من هذا التراث؟
القرار 9
أرى جميلاً جداً أن يوزع الطلاب الحركيون نسخاً من مجلة "النور" في جامعاتهم. هذا ما لا يسمح لهم بنقل البشارة وحسب وبتعريف الغير على الحركة وفكرها ومواقفها، إنما يضع أيضاً على المحك متانة انتمائهم الحركيّ والكنسي، وفي آخر المطاف، متانة انتمائهم إلى المسيح، إذ يضطرهم إلى كشف هذا الانتماء أمام الملأ والمجاهرة به، وبالتالي فهو طريق إلى ترسيخهم فيه. إنها مدرسة حقيقية للشهادة وترويض قد يبدو قاسياً، للوهلة الأولى، على ممارستها. إلا إنني أتمنى لو لا ينحصر الأمر بتوزيع أعداد مجلة "النور" بل يتعداه إلى توزيع بيانات تصاغ بأسلوب قوي وموجز (وهي ما تسميه الجماعات التي تعتمدها لنشر فكرها: tracts) وتعبّر عن موقف إيماني من قضايا يتطارحها المجتمع، كالطائفية مثلاً، وهيمنة المال، وأولوية الاهتمام بإنصاف البائسين وتلبية حاجاتهم وإحقاق كرامتهم، وملحاحية رعاية البيئة ووضع حد للتدمير اللاحق بها...
القرار 10
لا يسعني إلا أن أضم صوتي إلى الدعوة التي يطلقها المؤتمر إلى "إحياء الخلوات الصلاتية والروحية بشكل مبرمج" سعياً إلى إنعاش "حياة الصلاة" التي هي بمثابة العمود الفقري لوجودنا المسيحي وبالتالي لهويتنا الحركية. إلا إنني أخشى التحفظ الذي ألمسه لدى العديد من الحركيين حيال كل صلاة غير الصلاة الطقسية المقننة والمعهودة، وكأنهم يخشون أن ينطلق المرء على سجيته في صلاة عفوية نمطية مرتجلة تنقذه من الرتابة (مع أني علمت من زمن طويل أن القديس باسيليوس نفسه حذر من ترداد الكلام نفسه في الصلاة) وتسمح له بأن يعبر عن نفسه بحرية وصدق أمام الله. وكأن هذا النوع من الصلاة حُكم عليه بأن يؤدي حتماً إلى هجر الصلاة الطقسية، وبالتالي إلى التغرّب عن غنى التراث الروحي الذي تحمله والذي من شأنها أن تنقله إلينا. والواقع أن هذا التعارض، الذي أدى حيناً بين حركيي الميناء إلى شبه صدام، لم يكن له في الحقيقة من مبرر، إنما هو تعارض مفتعل، والتشبث به مؤذٍ لأصالة الحياة الروحية ومعيق للتربية على عيشها في حقيقتها.
فالصلاة الطقسية، عدا عن كونها شرط اندماجنا في حياة الجماعة التي هي شعب الله، تحمل إلينا كنوزاً من الخبرة الروحية التي عاشها وعبر عنها القديسون والتي لا بد لنا من التقاطها والتشبع منها لإحياء نفوسنا وتغذية صلاتنا الشخصية. ولكن بيت القصيد هو أن تكون النفس مستعدة لتقبل هذه الخبرة وعيشها في الأعماق، وإلا بقيت الصلوات الطقسية، في أسوأ الأحوال، مجرد اجترار روتيني ينطبق عليه كلام النبي "هذا الشعب قريب مني بشفاهه ولكن قلبه بعيد عني"، وفي أحسنها، مجرد عبارات قد نتأثر بجمالها أو "نتخوشع" بها، ولكنها لا تلزمنا شخصياً ولا تجد طريقها إلى حياتنا الحميمة بما تحويها من هواجس وميول ومعاناة. أما الصلاة العفوية فتلزم المرء أن يكشف قلبه أمام الله دون مواربة، بما يعتمل فيه من اندفاع وتهاون، من حميّة وجفاف، من نبل وخسة، من تطلعات وتجارب، وأن ينفتح كما هو إلى حضوره المحيي، وأن يدخل معه في حوار هو، في آخر المطاف، لبّ كل صلاة، يخاطب فيه الإنسان ربّه "كما يخاطب الصديق صديقه"، على حد قول الكتاب، ويسمع منه، في أعماقه، جواباً صامتاً يشيع فيه نوراً وسلاماً وقوة. الإنسان الذي اختبر الصلاة على هذه الشاكلة ينقل تلقائياً خبرته هذه إلى الصلاة الطقسية، إذا ما شارك بها، فلا يبقى فيها مستمعاً متفرجاً ومردداً شفاهه مجرد عبارات اعتاد على تردادها، بل يتجاوب مع تلك الصلاة في الصميم، وكأنه يتبناها بحيث تصبح صلاته الخاصة.
وقد أثبتت خبرتنا في الميناء، في ثمانينيّات القرن الماضي، أن الشباب قابلون للتحسس العميق للصلاة إذا ما أتيح لهم أن يذوقوا كنهها وطعمها عن طريق ممارستهم للصلاة العفوية. وقد رأيناهم في وقت من الأوقات يقبلون جماعات، وبتلقائية عجيبة، إلى لقاء للصلاة العفوية يحدوهم اندفاع عجيب صبّ عليه خلافاتنا، للأسف، ماءً بارداً. وقد خلّف ذلك في نفسي حزناً مقيمًا لما رأيته من أفول سريع لذلك النجم الصاعد الذي كان تألّقُه يَعد، لولا ضيق أفقنا، بعهد بهي من الألفة والمناجاة بين الشباب ورب الشباب الأبدي.
إنما لا يزال بيننا حتى الآن، في الميناء، بعض هؤلاء الشباب الذين بلغوا الآن أشدهم، لا يتورعون عن التأكيد بأن لقاءات الصلاة العفوية أنشأت علاقتهم الحية بالله ورسختها في قلب هواجسهم وهواجس الزمن الحاضر وغيرت حياتهم مضفية عليها نكهة فريدة يصعب محوها. أذكر منهم ليليان قطرميز بركات، وسيدة زيني أنطون، وحميد دبس، ونيقولا لوقا، وكريستو المر. بعض هؤلاء هم الآن بصدد نقل خبرتهم إلى فرقة "بهاء الرب" من أسرة العاملين في فرع الميناء، حيث تلقى تجاوباً كبيراً. رجائي أن يُركن إليهم للمساعدة على تعميم ما اختبروه.
14-18/12/2009
ك.ب.