المحبّة الممتدّة
كلمة د. جورج تامر في المنتدى الحركيّ الثاني
حول المطران بولس بندلي
"من أجلهم أقدِّس ذاتي ... لئلاّ يهلك أحد"
قامة شمخت منارة على شاطئ ميناء طرابلس، طافت بالنور على مدن الشمال وقراه، حطّت في حمى بردى، قبل أن تستقرّ في رحاب عكّار، وتشعّ في أرجاء "الوادي"، وتغسل ساحل طرطوس بالضياء. مصباح حامل النور، يتّقد به، كأنّه "كوكب درّيّ" (سورة النور 35:24)، تحسبه النور، وليس هو إيّاه، بل في شفافيّته اتّحد به، اتّحادًا عجيبًا. لم يحجب النورَ قتامٌ في جبلته، ولم يُشحِبه غبار على مسحته، صفاؤه أدّى بالنور إلى أن يضيء للمستنيرين ببهاء أشدّ. صار نورًا على نور.
النور الذي كان على مساس بهذا الرجل لا يُحبَس ولا ينحصر، إنّما يفتّش لنفسه عن سبل يجري فيها، ومصابيح. كلٌّ من الناس فيه شيء منه، قليل أو كثير. ما من جبلة تخلو منه. هذا النور هو تصوّريّة الله في الإنسان. إنّه الفطرة الحقّ التي في كيان كلّ إنسان، بل هو، بالأحرى، جوهر جوهره. كلٌّ فيه هذا النور على مقدار. وهذا ما يدركه البعض، والبعض لا يدركون. بعض المدركين يذكون ما فيهم منه، على درجات. وبعضهم يهملونه فتغشاه الظلمة ويخفيه الغبار. والنور لا يمحى مهما كثفت الضبابيّة حوله. مهما خَفُت، مهما شحّ، يستمرّ موجودًا، قابلاً للتوهّج، ولولم نراه مشعًّا.
إنّ السبل التي يجري فيها هذا النور في حياة العالم عديدة، لا تحصى. كثرتها ناتجة من لامحدوديّته. هي كثرة المواهب التي مُنِحت للناس. وما من امرئ بلا موهبة. مهما تعدّدت مجاري النور، فهي تصبّ، بلا استثناء، في خدمة الإنسان. فالنور يسعى إلى النور. طبيعته فيضٌ، ليس في وسعه إلاّ أن يمتدّ. وإن انحسر، فإلى حين.
بولس بندلي توقّد النور فيه رعاية. والرعاية حبّ، كما يبوح به قول يسوع لبطرس. إنّه حبٌّ لله، وحبّ للناس، يتقاطعان صليبًا. الرعاية، والحبّ، والصليب ثالوث غير منفصل. هذا الثالوث يظهر كلّما رمى واحد منّا نفسه في هموم الآخرين وآلامهم، واحتضنها في ذاته، غير حاسب حسابًا لشقاء وضنى، كلّما بلغ البذل حدّ انسكاب النفس عطاءً حرًّا، بلا حدّ. ثالوث الرعاية، والحبّ، والصليب ظهر جليًّا في بولس بندلي. كان سمته المميِّزة وطابع حياته.
لن يسعني، في هذه العجالة، أن أفصِّل كيف ترجم بولس بندلي هذا الثالوث عمليًّا في ما قال وفعل. ما من حياة تختصر في كلمات. فكم، بالحريّ، يستحيل ذلك، إن كانت حياةً كحياته. سأحاول في ما يلي أن أبرز لكم بعض الملامح الرئيسة في الوجه الذي تجسّد فيه ثالوث الرعاية والحبّ والصليب في هذا الرجل:
- أوّل ما يلفت عارفَه سعيه الدؤوب إلى الاقتراب من الناس، إلى إلغاء البعد بينه وبينهم، مع حفظ مسافة واحدة من الجميع. هذه المسافة التي كان يحرص على حفظها ليست لتبعد عنه مضايقة، أو تحفظ له مقامًا، بل هي بسبب حرصه على أن يحفظ حرّيّة من يحبّهم ويرعاهم، ويحفظ حريته، هو، على السواء. فالرعاية ليست بالتسلّط، ولا بخنق المحبوب. والصليب، على قوّة معناه، يحفظ لهؤلاء الذين يصلب الرعاةُ ذواتهم من أجلهم حريّتهم التامة، لا يُنتقَص منها شيء. بهذه الحرّيّة قد يصير الإثنان، أو أكثر، واحدًا، من غير أن يمّحي الأحد في الآخر. حبٌّ مقرِّب كهذا، على قوّته، لا يطمح إلى إلغاء الآخر، بل بالأحرى، إلى الحفاظ عليه وإنمائه. ويصير هذا باحترام، بلا قيد أو شرط، ما يجعل الآخر يطمئنّ ويستقرّ إلى حضن حبّ الراعي. من جهة أخرى، تمنح المسافة المذكورة الراعي الحرّيّة في أخذ ما يراه مناسبًا من قرارات، من دون أن يخشى ضغطًا أو تحرّجًا. بالقدر نفسه الذي يفقد فيه المحبوب حرّيّته، تنحدّ استقلاليّة المحبّ. إنها جدليّة حقّ: حرّيّتي وحرّيّة الآخر الذي يتعلّق بي في زيادة ونقصان يتوازيان: فهما، معًا، يزيدان، ومعًا ينقصان.
- الحرص على الاقتراب الحادب الحاني يستلزم حضورًا دائمًا ومرافقة مستمرّة. هذا ما جاهد هذا الراعي من أجل تطبيقه، حتى آخر رمق. لم تكن المسافات تمنعه من القيام بذلك. كان يمشي ميلين مع من قد يسأله، أو قد لا يسأله، أن يرافقه ميلاً واحدًا. وهذا نابع من التزام صميميّ بالآخر. بهذا الالتزام كان يرى في كلّ شخص وديعة ائتمنه الله عليها. الخبز المقدَّس الذي يُعطى للكاهن وديعة ليحافظ عليها ليس محصورًا في الليتورجيا، إنّما يمتدّ في الناس. كلُّ واحد منهم جزء من هذا الخبز ـ الوديعة. والربّ شاء أن تكون الجماعة جسده الواحد.
- أن تدرك أنّ كلَّ واحد ممّن أنت على صلة بهم وديعة قدسيّة، يعني أن تعرفهم، واحدًا واحدًا، معرفة كيانيّة، ثاقبة، محيطة. إنّ الراعي الصالح، بحسب إنجيل يوحنا، يعرف رعيّته بأسمائها (3:10) . والاسم يدلّ في لغة الكتاب المقدَّس على الشخصيّة. هو رمزٌ لقوام الشخص في مختلف نواحيه. الوجه الرعائيّ الذي تجسّد في بولس بندلي يتحسّس بكلّ شؤون الشخص الروحيّة والمادّيّة، الاجتماعيّة والعلميّة، ويهتمّ في أن يعرف تفاصيلها.
- هذا يقترن باهتمام بالكلّ، بلا استثناء، ليس فقط بأصحاب المواهب. الوجه البشع يضاهي في عيني رعاية كهذه أحسن الوجوه جمالاً. الكلُّ سواسية في الحسن إذا كان الحبّ هو الرائي. والمواهب، كما الأوجاع، محطّ عطف واهتمام. ما يبدو لنا نقصًا ليس مدعاة ليُرذَل صاحبُه. على العكس. هو حبيب خاصّ لذاك الذي ظهر لنا في لحظة مميَّزة من لحظات التاريخ، مصلوبًا مشوَّهًا، لا حسن فيه يشتهى، ولا بهاء.
- إلى جانب العناية المحيطة بكلّ من يحتاج عونًا، أيًّا كان نوعه، يتّسم وجه بولس بندلي الرعائيّ بالانفتاح على مختلف الأطراف في الجماعة المقام عليها، وخارجها، بلا فرق في المحبّة. رأى القبس النورانيّ في الكلّ، أفي كنيسته كانوا، أم لا. إلاّ أنّ هذا الانفتاح لم يدفعه إلى أن يتخلّى عن شيء من هوّيّته الأرثوذكسيّة، أو عمّا آمن بأنّه حقّ. وهذا، لعمري، من مقوّمات الانفتاح الأصيل. فالانفتاح لا يعني الميوعة وترجرج المواقف. إنّه موقف راسخ على أسس ثابتة، وانطلاقة هوّيّة ناضجة، تعي مكامن القوّة والضعف فيها، وتطلّ بذلك على الآخر، أيًّا كان، في رغبة صادقة في الحوار والتواصل. في هذا يكون الإنسان، أيّ إنسان، بصرف النظر عن معتقده، محور اللقاء. ولأن الإنسان هو مركز هذه الرؤية، وجب على الراعي، في الوقت نفسه، أن يحمي خرافه من الضلال ويذبّ عنهم الذئاب الخاطفة.
- عناية الكنيسة بالإنسان لا تقتصر على الرعاية الروحيّة، وحسب. فهذه على أهميّتها ناقصة، حين تكون الحاجة تتناول المعيشة، والغذاء، والعلم، والاستشفاء. من هنا تحرص الكنيسة على أن يكون لها مؤسّسات تهتم بهذه النواحي من الحياة. والوجه الرعائيّ الذي نحن في صدد استذكاره فعل أيضًا كذلك. لكنّ المؤسّسات كانت عنده وسائل، لا غايات. هي وسائل لخدمة المؤسَّسة الأساس، الإنسانِ الذي ينبغي أن يكون في صلب كلّ مشاريع الكنيسة الخيريّة والاجتماعيّة. من أجل الإنسان، تتغلغل الرعاية عبر عمل المؤسَّسات في نسيج المجتمع، مانحةً روحَ المحبّة جسدًا: رزقًا، وخبزًا يؤكل، وعلاجًا، وعلمًا يحصّل. وإن لم تفعل الكنيسة ذلك فمن الذي يفعله؟ أليس أنّ معلِّمها الرأس لم يصرف الجموع ليشتروا لأنفسهم طعامًا، بل حضّ تلاميذه أن "أعطوهم أنتم ليأكلوا"(انجيل متى 16:14)، وللحين صيّر القول فعلاً؟
- غنيّ عن القول، إنّ الرعاية المتكاملة تقتضي، أيضًا، العناية بالثقافة. وهذا ما جسّده الوجه الرعائيّ الذي عرفناه ببولس بندلي في سيرة حياته الشخصيّة وفي اهتمامه بمن رعاهم، وفي اعتنائه بالمدارس. مارس العلم من دون أن يهمل الحياة الروحيّة، ودعا أبناءه ليفعلوا ذلك. والعلم والإيمان، وإن اختلفا في منهج السعي إلى الحقيقة، ليسا بضدّين، لا يمكن للمرء الجمع بينهما. النفس البشريّة تتغذّى بالعلوم، كما تتغذّى بالصلاة. والعقل مَلَكة إنسانيّة مفتداة، شأنه شأن سائر القوى التي أبدعها الله. العقل قد يسجد، بالعلم، للمبدع. وإن لم يسجد، فلأنه لم يعرف، بعد، المعرفة التي تدفعه لذلك. حتى لو عرف، ولم يؤمن، فهو يمارس الحرّيّة التي جعلها الله فيه. والله لا يرضيه الجهل. جهالة الصليب، التي قابل بها الرسول بولس حكمة الإغريق وشغف اليهود بالحصول على الآيات المعجزة (1 كو 1: 22)، لا تعني عدم المعرفة. جهالة الصليب حبّ يعرف كلّ المعرفة ما هو فيه، وما سيؤول إليه. إنّه الحبّ اليقين الذي يتماهى بالعلم اليقين أنّ التضحية لا مناص عنها، وأن الحبّ يستدعي الموت، ولو كان المحبوب من غير جدارة. إنّ منطق الصليب يختلف عن منطق أرسطو. يعتمد على الإيمان والرجاء، فيأتي بالقيامة نتيجةً حتميّة لكلّ من يموت مصلوبًا بالحبّ.
- مِن على الصليب تمارَس السيادة الحقّ في الكنيسة. الصليب هو العرش الحقيقيّ الذي يعتليه الأسقف، واعيًا نفسه مؤتمَنًا على الجماعة التي اشتراها الربّ بدمه الكريم. العرش الأسقفيّ، عندنا، صورة للصليب، والتاج رسمٌ لإكليل الشوك الذي لفّ هامة يسوع المتألِّم حبًّا. الأسقف، ممزَّقًا بين الواقع والرجاء، بين الأرض والسماء، حاملاً أوجاع الكلِّ وأحزانهم، جاعلاً من نفسه مستودَعًا للخطايا والهموم، ساعيًا إلى ألاّ ينطق إلاّ بالحقّ، شِبْهٌ ليسوع المسيح المتألِّم في الجماعة. بآلامه يقتني رئاسته. إنّ الأساقفة، عندنا، عراة من أيّ مجد، إلا مجدَ الصليب، وإن ارتدوا في الليتورجيا حلّة القيصر. ملكهم الأوحد مات حبًّا، بالرغم من أنّه غير قابلٍ الموتَ بطبيعته، فعلّم الكلّ أن ما من سيادة، في المفهوم المسيحيّ، إلا سيادة تعبِّر عن ذاتها ببذل الذات.
- هذا درب القداسة. والقداسة، كما نستنطق ملامحها في الوجه الرعائيّ الذي تجسَّد في بولس بندلي، لا يشتهيها المرء من أجل ذاته، بل من أجل الآخرين. المسيح لم يطلب لنفسه شيئًا. أفرغ ذاته بالكلّيّة من كلّ مجد يحقّ له. هو القدّوس قال، إنه من أجل أحبّائه يقدّس ذاته (يوحنا 19:17 ). هذه العبارة ما انفكّ بولس بندلي يردّدها، وكانت فعلاً في حياته. سعيه للقداسة لم يكن غرضًا للأنا، إنّما من أجل أن ينقل القداسة إلى الآخرين. لم يعتبر نفسه شيئًا، يمكنه أن يمسك بالقداسة. يسعى إليها، لتعبر به إلى الأحبّة. كبلّور في غاية الشفافيّة، لا يحجز شيئًا من النور، بل يجوز النور فيه إلى الفضاء المحيط. هو مفرِغٌ ذاته، مالئها بهم، رجاؤه أن يتقدّس بهم، ولهم. هو لا شيء، هم كلّ شيء له، في المسيح. هو وُجِد ليزول. معبرٌ للقداسة، لا يطمع بها لنفسه، بل لهم. الآخر جزء أساسيّ من الهوّيّة الخلاصيّة. به ومعه يكون الخلاص.
إنّ الوجه الرعائيّ الذي حلّ بيننا ببولس بندلي لم يأتِ من الفراغ، ولم يولد من العدم. هو نعمة، أنعم بها الله على كنيسة أنطاكية. والنعم، لتفعل، لا بدّ من أن تكون في السياق المناسب، في الزمان والمكان الملائمين. بولس بندلي غرسة أُلقِيت في مشتل حركة الشبيبة الأرثوذكسيّة، وفيه نمت، وأينعت، وأثمرت. ما أبرزه وجهه الرعائيّ يتّفق تمامًا وتقاسيمَ الرؤية الرعائيّة التي طرحتها الحركة، وما فتئت تعمل جاهدة على تطبيقها، منذ تأسّست. بولس بندلي، في عمله الشبابيّ والرعائيّ، علمانيًّا وإكليريكيًّا، انطبع بهذه الرؤية، وساهم في طبعها، في آن. ولعل أبرز ما يميّز هذه الرؤية أنّها تحفظ لكلٍّ من الشخص والجماعة، من العضو والجسد، خصوصيّته ودوره الفريد. فلا الفرد يذوب في الجماعة ويفقد استقلاليّة شخصيّته، ولا الجماعة تتكوّن من مجموعة وحدات، تتحايث، من غير أن تتواصل بالفعل. الفرد والجماعة، بحسب التعليم الحركيّ، في تفاعل متناغم، كما العازفون، واحدًا واحدًا، ومجموع الأوركسترا. لكلّ صوتِ آلةٍ مقامٌ وقيمة. والأصوات كلّها، في انسجام، تأتلف صوتًا سيمفونيًّا واحدًا.
ليس من تمييز أو تفضيل لأحد على أحد، أو لفئة على فئة في هذه الجماعة السيمفونيّة. الكلّ يتساوون في الشركة والمسؤوليّة، إكليريكيّين وعلمانيّين، رعاة ومرعين. من نافل القول، إنّ الراعي ذو دور أساسيّ في الجماعة، ولا رعيّة بلا راعٍ. ولكن العكس أيضًا صحيح. والرعاية عطاء وأخذ. فالراعي يَرعى ويُرعى. إنّها علاقة تجاذب في الحبّ، والاعتقاد الوثيق أنّ المسيح هو رأس الكنيسة الأوحد، وأنّ من يماثله في الحبّ يماثله في الرئاسة، وأنّ المسيح أيضًا مثلٌ للكلّ في الطاعة.
إنّ الشركة التي تدعو إليها الحركة تجسيد فعليّ في الرعيّة لصورة الجسد التي قدّمها الرسول بولس (1 كو 12: 12ـ26)، ليشرح مفهومه للكنيسة. ثمّة أعضاء أشرف رتبة من أعضاء، لا شكّ في ذلك. لكنّ الأعضاء الأدنى تحظى بقدر أكبر من العناية. وما من عضو يفتخر على عضو آخر، بل الكلّ يتساوى في القيام بما يستوجبه عليه موقعه. ولا يتألم عضو، إلاّ وطال الألم سائر الأعضاء، ولا يهنأ عضو، إلاّ وامتدّ الهناء إلى سواه. هذا النوع من الشركة يقوم على مفهوم واسع للتكريس، يؤمن بأن الجماعة المعمّدة ذات كهنوت ملوكيّ، إذ إنّها أمَّة مقدَّسة، تنتظم الخدمة فيها بحسب تنوّع المواهب. والتكريس على أنواع. فالبعض، على سبيل المثال لا الحصر، يتكرّس للكهنوت، والبعض للتعليم، والبعض للتبشير، والبعض لخدمة المحتاجين، والبعض للإعلام، والبعض يختار صمت الحياة الرهبانيّة، الناطقة صلاة.
هذا ما علمه بولس بندلي، وعلَّمه وعمله. الوجه الرعائيّ الذي حلَّ به بيننا نعمة مُنحت لكنيسة أنطاكية وللحركة فيها. لكنّ النعمة تحدٍّ ومسؤوليّة، على السواء. النعمة تحدٍّ لأنها تتطلّب العمل. فمن له، يُطلَب منه. وإن لم يُعطِ، فهو مسؤول. والمسؤوليّة يتبعها الحساب. فكيف يُترجَم التحدّي والمسؤولية اللذان يفرضهما علينا، كنيسةً وحركة، وجود بولس بندلي بيننا، وإن لم يكن، مرّةً، من سماته أن يفرض شيئًا على أحد؟
أولاً، بولس بندلي ليس شخصًا أتى من السماء وعاد إليها. ليس أسطورة طافت على الأذهان وعادت إلى عالم الغيب الذي لا يطال. هو واحد منّا، بشر مثلنا، كان تحت الآلام، كما نحن. عرف السقوط والنهوض، جاهد ساعيًا إلى القداسة. الوجه الرعائيّ الذي عرفناه به ليس، إذًا، من دنيا غير دنيانا. هو من هذه الأرض، من هذه الكنيسة، من هذه الجماعة. ما فعله ليس مستحيلاً، إنما يمكن لكلٍّ منّا أن يفعله، إن اكتسب الحبّ والتواضع وروح البذل والعفة والوداعة التي كان هذا الرجل عليها، وإن ألقى، مثلَه، رجاءه بالكلّيّة على الربّ، فتفعلَ فيه نعمته. هذه هي الفضائل المسيحيّة التي على كلٍّ منّا أن يتحلّى بها، ولا فضل لنا إن فعلنا ذلك، فهي من مقوِّمات هوّيّتنا، كمعمَّدين. إذن، لا يحقّ لأيٍّ منّا أن يقول: "أنا لست بولس بندلي، فلا تنتظروا منّي أن أفعل ما فعله". طبعًا، كلّ إنسان على فرادة، والناس ليسوا نسخًا عن بعضهم البعض. لكنّ كلاًّ منّا قادر، بذاك الذي يقوّي الكلّ، على أن يصير قرينًا لبولس بندلي في جهاده الفريد من أجل تقديس ذاته. هذا نموذج ممكن التطبيق.
التحدّي الثاني الذي يأتي به هذا الوجه الرعائيّ هو أن نصوغ فكر الكنيسة الروحيّ واللاهوتيّ في لغة بسيطة مفهومة، تنفذ إلى العقل والقلب، معًا، كما كلامه الذي ما زال يطنّ في آذاننا. من أجل بلوغ هذا الهدف، ينبغي علينا استلهام العلوم والثقافة المعاصرة، والبحث عن مواقع التقاطع بين فكر المسيح وثقافة العالم. وكم من إله مجهول في العالم، في وسع البشارة أن تكشف عنه أنّه المسيح.
التحدّي الثالث في هذا السياق هو أن نترجم الإنجيل إلى لغة الحياة، أن نكسو روحه لحمًا وعظمًا، أن نطحن كلماته لتصبح خبزًا للجياع فيشبعوا، ومن بعدها ينتصبوا للصلاة، وأن نقرن ببلسمه الروحيّ علاجًا فعليًّا للمرضى، فيستشفوا ويتقوّوا للخدمة. عيب على من يعرف الإنجيل أن يرضى عن الفقر والجهل والظلم، ولا يسعى قصارى جهده لإزالتها. كلمة الحياة التي صارت جسدًا صرخة مدوّية في وجه كلّ من يسمح بهتك حرمة الأجساد، بواسطة الفقر والاضطهاد. والنور الذي أتى إلى العالم دينونةٌ لمن يبقى الجهل موجودًا حوله. والمدعوّون أن يكونوا نور العالم، لا يحقّ لهم أن يخنعوا لظلام الجهل.
التحدّي الرابع هو ألاّ نقصي أحدًا عن همّنا الرعائيّ الفعّال. فالكلّ ينعمون بالقدر نفسه من الحبّ، كانوا منّا، أم لم يكونوا. إنّه وجه شامل من الرعاية يدمج بين الرعاية الروحيّة والرعاية المعرفيّة والرعاية الجسديّة. وكلٌّ منها مهمّ. من هنا، نحتاج مؤسّسات كنسيّة، تضع نصب ناظرها خدمة الإنسان، أوَّلاً، لا تحقيق الأرباح الماليّة. يبدو هذا الكلام ساذجًا. لكنّه ليس كذلك. فإمّا يكون الإنسان محور عمل مؤسّساتنا، والأساس الوطيد التي تُنشأ عليه، وهذا، بالضبط، ما فعله آباؤنا العظام، واقتفى أثرهم بولس بندلي، وإما تكون تلك المؤسّسات المسيحيّة منحولة الهوّيّة.
خامسًا، وأخيرًا، بولس بندلي لحظة مميَّزة في تاريخ كنيستنا وحركتنا المعاصر. والزمن يجري، وثمّة لحظات أخرى مميَّزة تنتظرنا، بنعمة الله. هذا يستدعي من الكنيسة الأرثوذكسيّة الأنطاكيّة وحركتها تطوير برنامج رعائيّ متكامل، يراعي حاجات الناس المادّيّة والروحيّة، العلميّة والثقافيّة، الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة، على السواء، ويجيب على التحدّيات المتنوّعة التي تواجه حاضرنا، ويستشرف المستقبل وتحدّياته، ليطوّر أجوبة عليها. الهمّ الرئيس لبولس بندلي في رعايته كان ألاّ يهلك أحد. رعايته، إذًا، كانت ذات طابع وقائيّ، يجهد في أن يتفادى المخاطر، قبل وقوعها. من هنا، أدعو الكنيسة والحركة إلى استلهام وجه بولس بندلي الرعائيّ في وضع برنامج رعائيّ وقائيّ لئلا يهلك أحدٌ جوعًا، وفقرًا، ومرضًا، وجهلاً، وتغرّبًا. شأن هذا البرنامج الرعائيّ الوقائيّ أن يسدّ حاجات الناس، ويؤمّن لهم فرص العمل، والعيش الكريم، والعلم، والتربية الروحيّة والاجتماعيّة اللائقة، ويوقف النزف البشريّ الذي يعاني منه مجتمعنا. لماذا تدعون الناس يذهبون بعيدًا ليحصلوا على الخبز؟ "أعطوهم أنتم ليأكلوا!" هذا ما كان يفعله بولس بندلي، حتى ولو جاع.
وفي الختام، أستميحك، أبتِ، عذرًا على ما قلتُه فيك. أعلم أنّك صرت وراء العتبة، داخل الخدر، ولا خوف على تواضعك من أن يجرح. لعلّك تضحك في سرّك وتقول: يا بنيّ، ربّما كنت على حقّ في ما قلتَه، ولك الشكر عليه، أصبت أم أخطأت. لكن، صدّقني، أنا لا أعرف إن كان ما قلته فيّ ينطبق عليّ، أو لا. إنّه ليس تواضعًا منّي ما أقول، فانا لا أعرف إن كنت متواضعًا، أو لا. كلّ ما أعرفه هو أنّي فعلت ما فعلت بالذي يقوّيني. به وثقت، وعليه ألقيت رجائي، وهو لم يخذلني. حين كنت بينكم، لم أكن أنا الذي يحيا، بل المسيحُ فيّ. بنعمة الله كنتُ كما كنت، وصرتُ على ما صرت. والنعمة عملت بكم، وبمن عرفتهم سواكم. أنتم، جميعًا، جعلتموني على ما تعلمونه فيّ. كلّ شيء كان بسببكم ومن أجلكم. فاسمحوا لي بأن أشكركم. ها أنا قد أتممت السعي، وفي الرضى أنعم بكمال الحياة. والمسيح يحيا في كلِّ واحد منكم. جماعة القدّيسين لم تكتمل بعد. ولن تكتمل بدونكم. كلٌّ منكم مسّته الحياة التي فاضت مرّة من القبر وابتلعت الموت. من بعدها لن يهلك أحد. لن يهلك أحد إلاّ الذين أغلقوا ذواتهم عن الحبّ. لكن، هل لنا أن نشكّ في أن الحبّ الإلهيّ قادر على أن يغمر الكلّ برحمته؟ فرحي يكون كاملاً فيكم. ففي الجماعة عاينت مجد الله. أنتم هيأتموني له. أنتم جزء من النعيم.