أسس تقييم خبرة الفروع

الأمانة العامة - 2010


أحيت حركتنا هذا العام الذكرى الثامنة والستين لانطلاقتها، يوم هبّ الروح الإلهي في مجموعة من الشباب، محركاً إياهم نحو أن ينفضوا الرماد عن جمره المتقد، الذي لا ينطفئ أبداً، ويدحرجوا حجر الصنمية عن كنيسة دُعي فيها التلاميذ، للمرة الأولى، مسيحيين.

في زمن الانطلاقة وُجدت الحركة حيث وُجدت ندرة من هؤلاء الشباب، ثم، ومع الامتداد الحركي إلى الأرجاء الأنطاكية، توسعت شيئاً فشيئاً الأشكال التنظيمية والإدارية التي وضعت لتعبر عن هذا الوجود وتضبط مساره في الاتجاه الذي يجسد، على الصعيد المحلي، فكر الحركة ومبادئها. فكان نظام المراكز الحركية في الأبرشيات، القائل بالأبرشية إطاراً للعمل الحركي المحلي، والذي أُرفد لاحقاً بنظام الفروع القائل بالرعية إطاراً لعمل الفرع.

ولما أمكن أن نلحظ من واقع حياتنا الحركية، وعبر تاريخها، أن هذه الخبرة -أي خبرة الفروع- قد حملت ما يخدم الهواجس والهموم والأهداف التي وضعت من أجلها حيناً أو مكاناً ما، وما يضعفها ويغيبها حيناً ومكاناً آخر؛ ولأن ما يمكن أن يضعف الأهداف الحركية يمكن أن يضعف، في آن، وجوه الوحدة في الحركة ويغيب أمانة الحياة الحركية لفكر الحركة ومبادئها، جاء القرار الخامس في المؤتمر الحركي الحادي والأربعين ليدعو إلى تقييم هذه الخبرة، بهدف تشحيل ضعفاتنا وما يعيق العمل، والإبقاء على ما يخدم الأهداف التي وُجدت من أجلها، بناءً على أسس واحدة تضعها الأمانة العامة للحركة.

ورغم إدراكنا أن أطر العمل الحركي في المراكز ليست بالضرورة واحدة، بسبب تمايز الخبرة والتاريخ والبيئة المحيطة بمركز ما عن تلك المحيطة بمركز آخر، فإن هذا لا يغير أن من بديهيات الأمور أن تطال هذه الأسس ما يدل إلى ما يخدم أو يضعف استقامة الحياة الحركية وإغنائها ووحدتها وأصالة تربيتها وفعالية الحضور الحركي في الوسط الرعائي والشهادي في المحيط الاجتماعي.

أولاً: صعيد الوحدة الحركية: الهاجس الحركي العام وعلاقة الفرع بالمركز والأمانة العامة

يربط نظامنا الحركي، بشكل جلي وواضح، تعابير الوحدة الحركية على الصعيد المحلي بالمركز الحركي الواحد؛ بحيث أن مجلس المركز هو من يتعهد الحياة الحركية في المركز ويراقب أعمال الفروع، ويشرف رئيس المركز على كافة أعمال الحركة ونشاطاتها. وهذا ما يفسر كون العمل الحركي قد انطلق أساساً، واستمر لفترة عقود، مركزياً؛ حيث كان المركز يدير الحياة الحركية في الفروع.
لذلك، لم نفصل يوماً بين استقامة الحياة الحركية في كل فرع وأصالتها وبين حضور الفرع في حياة المركز وحضور المركز في حياة الفرع. وهذا ما يمكن تقييمه من خلال:
مدى تقبل الفروع لحضور رئيس المركز في حياة فرعهم ومسؤوليته عن استقامتها.
تقييم فاعلية حضور رؤساء الفروع في اجتماعات مجلس المركز ونقلهم لهواجس المركز إلى الإخوة في الفرع، وحمل هواجسهم إلى المركز.
حضور مسؤولي الأسر الفرعيين في أطر التنسيق المركزية ومشاركة الفروع في الأنشطة المركزية.
تقييم علاقة الفروع ببعضها البعض والنشاطات المشتركة وتبادل الخبرات فيما بينهم.
إن انتظام علاقة الفرع بالمركز هو مدخله لانتظام علاقته وعضويته في الجسم الحركي الأنطاكي الواحد الذي تعبر عنه وتجسده الأمانة العامة للحركة. وليس سراً أنه قد كُشف لنا جميعاً الكثير عن جهل شبابنا بالأمانة العامة وتوجهاتها التي هي الناظم للحياة الحركية والعين الساهرة على استقامتها وتطابقها مع الرؤية النهضوية.
هذا ليس بسبب المتطلبات الإدارية والنظامية وحسب، بل بسبب ما كشفته خبرة الحياة الحركية وتاريخها من أن التصاق الفرع بالهواجس الحركية والكنسية العامة، التي تحملها وتعبر عنها الأمانة العامة، يجعله حاملاً بحق لبذور النهضة ليلقي بها في حقول الله الواسعة وتعطي ثماراً وافرة.
التساؤلات المطروحة للتقييم:
هل ساعدت خبرة نظام الفروع الأعضاء الحركيين على هذا الالتصاق والانفتاح على الشأن الكنسي والحركي العام؟
هل يُلحظ أن التعاطي مع هذا البعد يتخذ مركزيته ومحوريته في الفروع كي تكون الحركة القائمة في الرعية هي حركة تلك الرؤية الناهضة التي كُشفت للشباب الكنسي عام 1942؟
أم يُتعامل معه كشأن ثانوي يستحيل بالحركة، في كل محلة، إلى جمعية دينية أو فرقة كشفية أو مدرسة تعليم ديني وحسب؟

ثانياً: التربية الصـلاتية والليتورجية والرعائية

لا يكتسب هذا البعد أهميته في منظارنا من كون بنود قوانيننا العامة والداخلية أشارت إلى وجوه ترجمته، بل من كون أولى غايات النهضة هي أن يسعى المؤمنون بها إلى تقديس ذواتهم بعشرة الرب وتقديس العالم. وهذا ما يقود إلى وجوب أن تطبع المشاركة في القداس الإلهي والتزام أسرار الكنيسة وقوانينها والصلوات حياة أعضائنا؛ فكلما شحُل التصاقنا، كأعضاء الجسد الواحد، بالكأس الواحد، كلما خفت النور الذي فينا.
وهذا ما يقود أيضاً إلى ضرورة أن يعكس حضور الحركيين في حياة رعيتهم وهمومها عضويتهم الفاعلة في الجسد الواحد. ويبقى السؤال:
هل التربية على هذه الوجوه راسخة، كأولوية توجه، في مسار فروعنا الحركية؟
هل تولي الفروع لحظ المواهب المتعددة، وخصوصاً منها الدعوات الإكليريكية والرهبانية، ما يستحق من الاهتمام والمتابعة والمواكبة؟
وهل يمكننا أن ننسب أسباب الضعف الملحوظ على هذا الصعيد في أمكنة متعددة إلى إهمال العناية بهذا الجانب على صعيد الفروع، أم إلى أسباب تتخطى الفرع وإمكاناته؟

ثالثاً: العلاقة مع الرعاة

إن الرعاية الأبوية لكل عمل حركي كانت منذ التأسيس هاجساً عند الحركيين الذين تحسسوا حاجتهم، كأبناء، إلى مواكبة ورعاية الآباء المحبين. وتكريساً لهذا الهاجس، سعى الإخوة إلى نيل الطرس البطريركي الذي يدعم ويبارك عمل الشباب في أنطاكيا.
إن كل ضعف أو خلل يعتري وجه العلاقة مع الرعاة لا يخدم الحركة وأهدافها. فهل تعي فروعنا أهمية هذا الأمر وتتعاطى مع الرعاة بروحية التروي والحكمة؟ وهل تنتظم لقاءات دورية تجمع القيمين على العمل الحركي بهم؟

رابعاً: الشهادة في المحيط الرعائي والاجتماعي

وعى المؤسسون أن الكنيسة هي جسد المسيح الممتد في الكون، وأن "تعميد" حياة العالم مهمة نهضوية بامتياز. فهل ساعدت فروعنا على تربية الشباب ودفعهم إلى وعي أن هذه الأبعاد الشهادية لإيماننا هي من صلب هذا الإيمان ومتطلباته، أم غاب هذا الهاجس في انشغالات فكرية ومحلية ورعائية محدودة؟

خامساً: الشركة الماليـة

مهما عملنا على ضبط الجانب الإداري للتعامل المالي، إلا أن هذا التعامل لم يرتقِ إلى حد التشارك المرجو المعبر عن عمق الوحدة. "كل شيء كان مشتركاً بينهم" (أعمال الرسل). فهل لخبرة نظام الفروع أثر سلبي على هذا الوجه؟ وهل يعكس نظام الاشتراكات وعياً وحدوياً بدءاً من اشتراك العضو في فرقتة وصولاً إلى اشتراك الفرع في صندوق المركز؟

سادساً: مجلة النور والمنشورات

تعتبر مجلة النور ومنشورات النور والموقع الإلكتروني من أهم تعابير وحدتنا الفكرية والثقافية. والسؤال هنا: ما حجم التعاطي مع هذه المطلات في فروعنا؟ وهل تشكل موادها جزءاً هاماً من برامج اجتماعات فرقنا؟

خاتمة: لا بد من التذكير بأن وطأة عتاقة بشريتنا تثقل دائماً على فاعلية عملنا الحركي. لذا نرجو من كل الإخوة التعامل مع كل طرح ورأي بكونه فرصة لإضفاء العمق المطلوب والشفافية المرغوبة على تقييمنا، بما يؤدي إلى حوار حقيقي يجسد ما تطلع إليه الأخ كوستي بندلي بأن يكون المركز الحركي قاعدة جغرافية ثابتة تجسد وترسخ وتغذي الفروع باستمرار.
دعونا ننطلق مع المصلوب إلى القيامة به، مقتدين بفدائه لنا بالعمل على افتداء الأوقات الشريرة لترسيخ وحدتنا به وتفعيل شهادتنا لاسمه القدوس على رجاء الخلاص والمجد لمن أعطانا هذا الرجاء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
🅡 أُعدّت هذه الورقة بمساهمة من الأخوين حنا حنا وجان اليازجي والأمين العام رينيه أنطون، وأتت بعد زيارة قام بها الأخوان حنا وجان إلى المراكز للاطّلاع على واقع الأمور على هذا الصعيد، وأقرّتها الأمانة في العام 2010 لتوضع في متناول المراكز تمهيدًا لتنفيذها قرارات المؤتمر 41 العام 2009.