الشبيبة ونشأة الحركة المسكونيّة
الأمين العام السابق كابي حبيب - 2009
أشكركم لاجتماع اليوم الذي يبرهن على أن الحركة المسكونية ليست فقط مهمة القيادات الكنسية، بل هي أيضاً قضية القاعدة الشعبية ولا سيما الشبيبة الأرثوذكسية والمسيحية بصورة عامة. إذن أشكركم جميعاً لهذا الاندفاع باتجاه إعادة وحدة المسيحيين في الكنيسة الجامعة، المقدسة الرسولية في هذا المشرق وفي العالم أجمع.
أولاً: الحركة المسكونية العالمية
أود أن أذكركم الآن بالتوجهات الأرثوذكسية العامة التي أدت إلى إنشاء وتطور الحركة المسكونية العالمية.
أ- دور البطريركية المسكونية: في العام 1902 وجّه البطريرك المسكوني يواكيم الثالث رسالة إلى الكنائس الأرثوذكسية أثار فيها قضية الوحدة المسيحية وعلاقات الأرثوذكس بالكاثوليك والإنجيليين. وفي الرسالة التي وجهها عام 1904 ذكر الأرثوذكس، وبواسطتهم جميع الذين يؤمنون بالمسيح، بقول بولس الرسول إلى أهل كورنثوس: "يا إخوة أتضرع إليكم باسم ربنا يسوع المسيح أن تقولوا كلكم قولاً واحداً وأن لا يكون بينكم انشقاقات، بل كونوا ملتئمين في فكر واحد وقول واحد".
في عام 1920 وجّه البطريرك المسكوني آنذاك رسالة رعائية عامة إلى الكنائس الأرثوذكسية اقترح فيها إقامة شركة بين الكنائس المسيحية قائلاً: "إن لقاء الكنائس والشركة بينهم وتعاونهم في الخدمة يجب أن لا يُرفض بسبب الفوارق العقائدية بينهم". لقد وجّه رسالة أيضاً إلى الكنائس المسيحية الأخرى جاء فيها: "أحبوا بعضكم بعضاً في قلب طاهر" كما جاء في رسالة بطرس الأولى (1: 22).
ب- دور الكنيسة الأرثوذكسية الأنطاكية: لقد اشتركت الكنيسة الأرثوذكسية الأنطاكية في تأسيس مجلس الكنائس العالمي عام 1948 بواسطة مندوبين عنها كان بينهم سيادة المتروبوليت جورج خضر، مؤسس حركة الشبيبة الأرثوذكسية. فيما بعد، اغتنت هذه الكنيسة الأنطاكية من اللقاءات التي أجرتها، عبر المجلس، مع الكنائس الأرثوذكسية الأخرى ومع الكنائس الإنجيلية والكاثوليكية بصورة عامة، كما أنها استفادت من دعم المجلس لشهادتها وخدمتها المحلية. الأهم من ذلك، هو أن الكنيسة الأرثوذكسية الأنطاكية قد لعبت دوراً بناءً في حياة المجلس، إذ إنها ساعدت على تنسيق آراء الكنائس الأرثوذكسية الأخرى المتعلقة بأهداف المجلس وبرامجه. كان الأسقف أغناطيوس هزيم، لمدة طويلة، عضواً في اللجنة المركزية للمجلس، وفيما بعد أصبح رئيساً له بعد انتخابه بطريركاً على الكرسي الأنطاكي.
ثانياً: الحركة المسكونية في الشرق الأوسط
أ- دور حركة الشبيبة الأرثوذكسية الأنطاكية: يذكرني هذا الموضوع بأيام الصبا، حين كنت عضواً في فرقة للطلبة تابعة لحركة الشبيبة الأرثوذكسية التي كانت تدعو للنهضة الروحية الكنسية، وبواسطتها للوحدة المسيحية الضائعة. اتخذت الفرقة التي كنت أنتمي إليها، والتي كان رئيسها الأخ ريمون رزق، اسم القديس أغناطيوس الأنطاكي، الذي كان قد ركّز حيزاً مهماً من تفكيره على وحدة الكنيسة حول الأسقف المحلي. لذلك كان برنامج فرقتنا يتضمن، إلى جانب دراسة الكتاب المقدس وفكر الآباء القديسين والقضايا الاجتماعية المعاصرة، مسألة وحدة الكنيسة المسيحية وشهادتها في عالم اليوم.
ولما كان قادة الحركة يطلبون منا ترجمة الأقوال التي كنا نسمعها من قادتنا إلى أفعال ممكنة، صرنا نقوم بزيارات مكثفة لمجموعات الطلبة الكاثوليك، وشبيبة الكنائس الإنجيلية. قادنا ذلك إلى الاعتقاد بأنه من الضروري تعميم النهضة الروحية على مختلف هيئات الشبيبة المسيحية في لبنان والشرق الأوسط، وذلك من أجل مساعدتهم على اكتشاف أسباب كارثة الانشقاقات الكنسية في تاريخهم، ومن أجل السعي معاً إلى إعادة الوحدة الكنسية استجابة للمطلب الإلهي الذي نقله لنا
نتيجة التطورات المسكونية العالمية، والعلاقات التي قامت بها حركة الشبيبة الأرثوذكسية مع الشبيبة والطلبة الكاثوليك والإنجيليين في لبنان، أُسس في بيروت "المكتب المسكوني للشبيبة والطلبة في الشرق الأوسط" بدعم مشترك من قبل دائرة الشبيبة التابعة لمجلس الكنائس العالمي والاتحاد العالمي للطلبة المسيحيين. وبصفتي عضواً في حركة الشبيبة الأرثوذكسية، طُلب مني أن أكون المسؤول عن هذا المكتب الجديد. وقد اكتشفت، خلال عملي فيه، أنه كان مؤشراً لأهمية الأرثوذكس في المشرق، ولدورهم الإيماني والفعال في بناء الحركة المسكونية الإقليمية.
عام 1964، عقدنا في برمانا – لبنان، وباسم المكتب المسكوني، لقاءً للشبيبة الأرثوذكسية والكاثوليكية والإنجيلية بعنوان "ها أنا أصنع كل شيء جديداً" (من سفر الرؤيا). كان بين المشاركين في هذا اللقاء، على ما أذكر، سيادة الأسقف أغناطيوس هزيم الذي أصبح فيما بعد بطريرك الكنيسة الأنطاكية للروم الأرثوذكس. أكدنا حينئذ ضرورة تعميم النهضة الروحية على جميع الكنائس بهدف المساعدة على التخلص من التراكمات التاريخية التي عزلت هذه الكنائس بعضها عن بعض، وعلى إقامة الحوار فيما بينها من أجل إعادة اكتشاف وحدتها الكنسية وإحياء الشهادة المشتركة.
فأعتبر هذا اللقاء خطوة نوعية مهمة في مسيرة الحركة المسكونية التي أرادت منها الشبيبة المسيحية أن تعطي شعوب المنطقة دليلاً جديداً على نوعية الدعوة المتأصلة بالمحبة المحرِّرة والموحِّدة؛ وبالتالي على إرادة المسيحيين في تخطي أسياد هذا العالم وفلاسفته الذين ساهموا في تشتيتهم في الماضي. أدى هذا اللقاء في النهاية إلى إحياء فكرة إنشاء مجلس لكنائس الشرق الأوسط الذي كانت الكنيسة الأنطاكية الأرثوذكسية من أهم مؤسسيه.
ب- دور كنائس الشرق الأوسط: في ضوء التطورات المسكونية العالمية، وتوجهات الشبيبة المسيحية، بدأت في بيروت عام 1965 مفاوضات باتجاه العمل المسكوني المشترك بين ممثلي الكنائس الأرثوذكسية "الخلقيدونية" و "غير الخلقيدونية" من جهة، وممثلي الكنائس الإنجيلية من جهة أخرى. دُعيتُ آنذاك لأكون أمين السر الأرثوذكسي لهذه المفاوضات التي تكللت بالنجاح وقادتنا عام 1974 إلى عقد اجتماع تأسيسي لمجلس كنائس الشرق الأوسط تحت عنوان: "رسالتنا المسيحية المشتركة في الشرق الأوسط". وفي الثمانينات انضمت الكنائس الكاثوليكية إلى العضوية عام 1990. وبذلك أصبح المجلس ملتقى للإرادات المسيحية الهادفة إلى تخطي الماضي، ومحاولة لتصحيح حركة مسيحية تبشيرية غربية كانت قد تجاهلت في الماضي الكنائس المحلية.
ثالثاً: التوجهات العامة
أما التوجهات العامة التي أيدتها الكنيسة الأرثوذكسية الأنطاكية فهي التالية:
تجديد الالتزام المسكوني: يفترض ذلك تجديد القناعة المشتركة بالمسعى الوحدوي رغماً عن الصعوبات الرعائية المتعلقة بالانتقال بين الكنائس أو الزواج المختلط. المرجو أن لا يقود التمسك بالتراث إلى الانعزال بل إلى إغناء الحركة المسكونية.
إيجاد المجتمع الجديد: المسيحيون مدعوون اليوم إلى التفاهم مع الأديان الأخرى لخلق مجتمع يتميز باحترام الدين والفروقات الدينية والثقافية، وضمان المساواة بين المواطنين بصرف النظر عن انتمائهم.
الحوار بين الأديان الإبراهيمية: من الضروري أن يسعى المسيحيون لتحقيق وحدتهم في يسوع المسيح وأن يشهدوا للمصالحة بين الأديان السماوية بهدف العيش المشترك على أساس الاحترام المتبادل والحرية.
التفاعل مع المسيحيين في العالم: لا بد من تعميق تفاعل كنائس الشرق الأوسط مع الكنائس العالمية لجعلها تعترف بصورة أفضل بوجود الكنيسة المحلية وأهمية شهادتها، وعدم تهميشها بل دعمها معنوياً ومادياً.
الخاتمة
لا يمكننا غض النظر عن الضعف الذي عاناه ويعانيه مجلس كنائس الشرق الأوسط، فقد تصرف أحياناً كأنه مؤسسة مستقلة عن الكنائس. لكن الدعوة ليست للانسحاب، بل لتجديد الحركة لأنها استجابة لدعوة الكتاب المقدس بأن نكون واحداً.
إن الحركة المسكونية هي مسيرة مشتركة تشدنا معاً نحو ملكوت الله بالرغم من اختلافاتنا. إن ثقتنا ببعضنا البعض تأتي نتيجة حتمية للقائنا في الصلاة والحوار والخدمة المشتركة التي تحررنا من ثقل الماضي. وفي المحبة تستطيع الشبيبة أن تتجاوز نفسها ومشاعرها وظنونها وخطاياها.
أشكر الله على لقائكم هذا. وأختم بما قاله قداسة البابا شنودة الثالث في السبعينات: "إن الانشقاقات الأولى في المسيحية قد بدأت في هذه المنطقة، ففيها يجب أن تبدأ الوحدة الحقيقية". لذا أدعوكم جميعاً أن تصلوا لقادة وممثلي كنائس المنطقة لتحقيق الوحدة ونشر سلام المسيح بين جميع أديان وشعوب هذا المشرق الحبيب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
🅡 ألقيت في مركز جبل لبنان في 4 كانون الأول 2009