اللحظة الوطنيّة وتلك السياسيّة
رينيه أنطون - 30 آذار 2026
عادةً،
لا يستوي التعامل مع المراحل والمفاصل الوطنيّة، والتعاطي فيها، مع المُعتاد في الأزمنة
السياسيّة المألوفة. ففي تاريخ الأوطان، تَفصل هذه المراحل بين زمن سياسيّ وآخَر، ويؤسّس
التعاطي معها ركائزَ جديدة لغَدِ الوطن الآتي.
في
لبنان، ومرحلةٌ فاصلة تحلّ علينا بالحرب القائمة، ترانا اليوم في مكانٍ آخر.
فالمشهدُ
يُبرز العكس، يُبرز أنّنا في قصورٍ عن المطلوب، عن تخطّي الأمسِ السياسيّ، بانقساماته
وأحقاده، والشخوص إلى غدٍ مختلف، لا بل يُبرز أنّنا نستحضر هذا الأمس ليكونَ عنوان
تعاطينا مع هذه الحرب وسلاحَنا فيها.
ترانا في مراهَقةٍ سياسيّة وسطَ أكثر ما تقتضيه
الظروف من رُشدٍ، وأشَّد ما تتطلّبه من حكمة. ترانا نساهم في تعميق الجروح في جسد
الوطن وسطَ ما تستدعيه حالته من سرعة معالجة. ترانا في تصرّفاتنا ومواقفنا وكأنّ
الحربَ هي بيننا وليست علينا. ترانا في تغافلٍ عن الحقيقة، وإعراضٍ عن الإشهار بكونِ
العدوّ هو أصلُ كلّ بلاءٍ وشرٍّ أصابنا، والباقي نتائج. ترانا ننشغل بلومِ بعضنا
لبعض وليسَ بجرائمٍ يرتكبها وتدميرٍ ينتهجه وسحقٍ للأطفال والمدنيّين والمُسعِفين
يمارسه. ترانا لا نبالي بكثرة الضحايا والشهداء. ترانا نغفل عن شبابٍ، أيًّا كانَ
اختلاف القناعات معه، يدافع، اليوم، ويفدي ويقاوم ويُعلي شأن الكرامة وألــ "لا"
للوهن والاستسلام وتشريع الظُلم وسطَ
السائد مِن إلفةِ ألـ نَعم وكثرتها. ترانا نغذّي قلقَ بعضِنا من بعض وخوفَ بعضِنا،
على خاصّته، مِن بعض. ترانا نسعى إلى الانتصار على بعضنا البعض، وليسَ إلى
الانتصار ببعضنا البعض. بنتيجته، ترانا في عبثٍ بأساس الوطن أين منه عبث "إسرئيل"
العدوّ به! لا بل ترانا، اليوم، حيث لن يكون لنا وطن غدًا.
ليسَ
من قادةٍ لنا بقامة المراحل الكُبرى. هذا نعرفُه جيّدًا. لكن أليسَ مِن خمائر تَعجننا،
في هذه الحرب، بما يعبر بنا إلى وطنٍ، وَطَنْ، غدًا. أليسَ من صُنّاع لجلجلة البلد
اليوم سبيلًا إلى فصحٍ، له، قريب. هذا ليس بشأنٍ يصعب. هذا سبيله "ألا نلتفت اليوم
إلى الأمس"، أن يُشعِر كلٌّ منّا الآخَر، ومِن حيث يتموضَع، أنّه شهيدٌ معه
إنْ استُشهِد، وجريحٌ إنْ جُرح، ونازحٌ معه إن نزَح وحاضنٌ وحامٍ لخاصّته إنْ غاب.
هذا سبيله أن نحيكَ بدماء الشهداء والضحايا، اليوم، رحمًا من محبّةٍ يغسل أحقادنا،
يُعيد تكويننا، يرسمنا، في الوطن، قومًا صادقين في غيرتنا عليه، وبعضنا على بعض.
وبهذه الغيرة، فقط، يندفع كلّ منّا الى مصارحة الآخر ومساءلته ، غدًا بعد الحرب، إنْ
وجبت، وهي تَجب.
هذه ليست بوجدانيّات أو شأنٍ يَصعُب. هذا عاشته كلّ الأوطان في مفاصلها الكُبرى. وبلى، لدينا اليوم مِن خمائر وإنْ قَلّت، وقد يكون لدينا أُخرى مِن أرحامٍ مختلفة. أعرف أنّ لدينا، هنا، مَن غسلهم فاديهم من الأحقاد، وتوّجهم باكليل الانحياز إلى قِيَم المحبّة والحقّ والفداء، وكلّفهم بحراسة بذورها الصغيرة في تراب الوطن، وحيث يحلّون. وهم بهذا، الآن، يقومون، وإلى حين أن تكثرَ الخمائر، الشرائح، المُختلفة الحارسة لهذه القِيَم والغائرة بعضها على بعض، وعلى الوطن.