تذكيرٌ، ليسَ بأكثر

 رينيه أنطون - 12 آذار 2026


لطالما كشفت الحروبُ والأزماتُ الكبرى ثغراتٍ واسعةً في الحضور الإيمانيّ وسطها، ناتجةً عن ثغراتٍ كبرى في التربية الإيمانيّة، أكانت عبر المطلات التعليميّة في الكنيسة أم عبر حركة الشبيبة الأرثوذكسيّة.

وما يعكس هذه الثغرات، بجلاء، هو غياب ما نتمايز به، كمؤمنين، تفاعلًا وحضورًا ومواقفَ إزاء هذه الأزمات، أو ما يوازي حجم العنف والمآسي الناتجة عنها، أو ما يضاهي حضور هيئات ومنظمات اجتماعية قائمة.

تعود الأسباب، في حقيقتها، إلى غربة تربيتنا عمّا أسماه معلّمنا الراحل كوستي بندلي، يومًا، «البعد الاجتماعي للحياة الروحيّة». وهو البعد الذي رأى فيه ما يرتكز، أساسًا، إلى التزام قضيّة الإنسان، كرامةً وعدلًا، وليس إلى جانب مساعداتيّ وحسب.

يقيني أنّ منشأ الغربة هذه هو ترفّعٌ طُهريّ عن كل ما يعني شؤون الأرض والإنسان لدى بعضنا، عدا بعض أعمال الرحمة، أأَقرَّ بذلك أم لم يُقِرّ، وتحكّمُ رواسب طُهريةٍ عميقةٍ ببعضنا الآخر، تقوده إلى إدراج هذا البعد في أدنى سلّم أولوياته التعليميّة والتربويّة، وأوَعى ذلك أم لم يَعِ.

لذلك، مهما كيَّفنا وَعْظَنا اليوم مع ما يجري حولنا — هذا إنْ فَعَلنا — ومهما دعونا شبابنا إلى ما يجب أن يتحلّى به حضورًا وموقفًا، فلن يغيّر الأمر ما في القلوب والعقول والضمائر، ويصل بنا إلى المرجوّ. فهذا المرجوّ يتحقّق، قطّ، حين يكون وليدَ تراكمٍ تربويٍّ تجسّدي في حياة شبابنا، وقناعةٍ كيانيّة، وليس وليد لحظةٍ وحدث.

وتأكيدًا، لقد سبق أن شغلَ هذا الهاجس حركة الشبيبة الأرثوذكسيّة لسنوات، وقادَها، منذ نحو خمسة عقود ونيف، إلى بعض أزمات في حياتها، حيث سطّرت، إثرها، خلاصة قراءتها الفكريّة الإيمانيّة له عبر وثيقة «التزام شؤون الأرض» وما تبعها من أوراق وكتابات لمسؤوليها حتى اليوم.

فبالرغم من هذا، ومن أن أماكن حركيّة عرفت إطلالات شهادية رائدة خلال الحرب اللبنانيّة، ومن مبادرات في الأزمات كرسائل المسؤولين وتوجيهاتهم، والحضور المساعداتي للأعضاء في بعض الأمكنة، وإصدار عدد من مجلة «النور» خاصّ بحرب تموز ٢٠٠٦، وغيرها، بقي الأمر أسير لحظته، ولم يُعجن بتربية الحركة في المراكز والفروع، ويبرُز كحرفٍ من حروف تعليمها ووجهٍ من وجوه تربيتها، وذلك للسببين المذكورين أعلاه.

خلاصته: أتقودنا الحرب الأعنف اليوم إلى أن نطلق ورشة التراكم هذه، ورشة تربية شبابنا «على أن تكون شهادتهم للحق بالمحبّة وخدمتهم للإنسان المتألّم» وجهًا لا ينفصل عن وجوه هويّتهم الأخرى، فلا يحتاجون دعوةً، بعد، إلى ذلك؟ (الاستشهاد من رسالة أمين عام الحركة الأخ إيلي كبّة).

أتقودنا إلى أن نتصارح، بجرأة، بالأسباب الأصيلة التي دفعتنا إلى ألّا نكشف لشبابنا هويّته كعامل في ورشة تقريب أرضه، وإن خطوةً واحدة، نحو الملكوت، فنعالج بذلك مرضنا المستعصي والمزمن، أم سنبقى أتباع العواطف والحدث الآنيّ؟

هما تساؤلان أراهما يواجهان كل المعنيين بشؤون التربية والتعليم، في الكنيسة والحركة، وبحدّة، اليوم. هذا لأن سجودنا لا يلفت الله ما لم يتجلَّ في عينيه انحناءً أمام ضحايا الحروب والبطش والظلم والطمع، انحناءً شاخصًا، ساعيًا، إلى رفع وطأة هذه الشرور عن الأجساد والقلوب والنفوس، ومنها.