قانون المجالس والأبرشيات
رينيه أنطون - 22 تشرين الأول 2026
حلقة الثقافة الرعائية - 5
قانون 1972؛ مجالس الرعايا والأبرشيات
تمهيد
يتخذ عرضنا لهذا الموضوع اليوم طابعًا خاصا، أولا لان النظام، موضوع جلستنا، هو معمولٌ به اليوم، وصدف أن يكون مطروحًا على جدول أعمال المجمع المقدّس، المنعقد في البلمند الان، بهدف البحث في إمكان تعديله، وأيضًا لكون تنفيذه موضوع مطالبة متكررة من شرائح من المؤمنين، اتخّذت طابع الحدة في الأسبوع الأخير، وطالت بشكل الحركة ودورها الكنسيّ.
أولا، يجدر التوضيح أن ليس، كما يبدو، من توجّهات معتمدة فيما خص البحث به في المجمع المقدس، وبالتالي قد لا يصح بناء المواقف الان والتخوّف من مزيد ممّا يقصي العلمانيين في بنود هذ النظام، وما نرتجيه هو أن تفعل نعمة الروح القدس في ويتجلى لدى الرعاة توجّه جدّي للخروج من حال الجمود وعدم التنفيذ على هذا الصعيد إلى ما يُضفي على حياتنا الكنسية ما يُغنيها بمواهب المؤمنين ويمدّها بالحيويّة الانجيلية.
هذا ما يلفتنا إلى أهميّة أن نفهم كل كما يتعلّق بهذا النظام، والذي هو ذات "هوية حركية، في ضمير الكنيسة، وضمائرالشرائح الأرثوذكسية التي تنادي بالمشاركة وتنتقد تفرّد الاكليريكيين. وأقول أن هذه الاعتقادات محقّة، بمعنى أنّ كلّ من يعتقد بهذا فهو ليس مخطئًا، وذلك لأسباب منها:
فإلى الارتياح الحركيّ لصدوره، والدور المعروف للمطران جورج خضر وبعض القادة الحركيين في وضع أسسه، برزت لمقالة الدفاعية عنه، والتعليمية "بلاهوته، التي كتبها المطران جورج في صحيفة النهار مباشرة بعد صدوره ردًّا على ما قوبل به صدوره من انتقادات، وكتابات مختلفة، بحيث أعتبر ما معناه أن النظام صحّح ما كان سائدًا من أوضاع خاطئة فيما خصّ شان العلاقة بين العلمانيين والاكليريكيين في الكنيسة، وأدوارٍ، لا تتوافق مع التعليم، كانت سائدة في الكنيسة وأعاد نسج هذه العلاقة بما يتوافق مع روح الانجيل، شارحًا كيفَ ولماذا.
ثانيًا، الدور الفاعل والكبير الذي قام به الأخ كوستي بندلي والمطران بولس بندلي (ككاهن لرعية الميناء) من أجل شرح روحية هذا النظام للمؤمنين، وتأسيس آلية ضاغطة للشروع في تنفيذه بشكل كامل على أصعدة الرعية والأبرشية والكرسيّ الأنطاكي في سهرات رعائية متتالية، وصدور كتيب "مجالس الرعايا ومتطلّبات النهضة الانطاكية" الذي حمل مداخلات الأخ كوستي في هذه السهرات.
الروحيّة
منطلقًا يجب أن نتذكّر أمرين شكّلا مدخلًا لاقراره. الاول ما عرضناه في الجلسة الأخيرة الماضية حول سلبيات ومخاطر قانون 1955 خاصة لجهة ادخال منطق "الديمقراطية الشعبية" الى الكنيسة دون ضوابط تُذكر، ما يجعل حياة الكنيسة مشرّعة للنفوذ السياسي والمالي، وما تحدّثنا به، في الجلسة الثانية، حول ما احاط بصدور وثيقة العمل الرعائيّ من أجواء إيجابية بدأت تتراكم نتيجة دخول المطران جورج خضر المجمع، وانتخاب البطريرك الياس الرابع بطريركًا، وبداية الولوج في حلّ الأزمات الكنسية الانقسامية حينها، ومنها أزمة ابرشية اللاذقية.
هي الأجواء "النهوضية" التي دفعت القادة الكنسيين الجدد إلى العمل على وضع قانون جديد بهدف تصحيح الخلل الكامن في قانون الـ 55 عبر ورش عمل أثمرت قانون المجالس الحالي.
ماذا نقرأ في أسس القانون والروحية التي بُني عليها؟ طرحها أو غيرها.
وهنا أمزج في الجواب بين ما سمعته، بشكل مباشر، من كوستي بندلي في تلك السهرات الرعائية مطلع شبابي حيث انخرطت في اللجنة المكلفة بتنظيم بعضها، وقرأته في كتيّبه وفي المقالة المذكورة للمطران جورج ، وفي المقاربات الحركية المختلفة واجتهادٍ شخصي واختبارٍ ناتج عن متابعتي لهذا الشأن وعضويتي في مجلس الرعية لثلاثة عشرة عامًا.
اولا، أن هذه الكنيسة هي عائلة الله، عائلة المؤمنين الكبرى. وكما أن كلّ عضو راشد في العائلة البيتية الصُغرى هو مسؤول وله دوره ورأيه ومساهماته في مسيرتها وأعبائها وهمومها وشجونها، مع حفظ خصوصية دور الأب والأم، هكذا يجب أن تكون عائلة الله. وبالتالي فإن كلّ عضو فيها، "مؤمن، ممارس، مشهود له بحسن السيرة، بريء الذمة تجاه الكنيسة ومؤسساتها، هو مدعو الى هذة المساهمة ومشاركة الكاهن في إدارة حياتها وشؤونها. وذلك، عبر مجلس رعيته أولاً.
أتوقف هنا للفتكم إلى أنّ هذا القانون حدّد سمات المؤمن المدعو إلى هذه المساهمة، وهي السمات المبنية على شهادة الجماعة وكاهنها لحضوره في حياة الكنيسة، وبالتالي ليسَ الأرثوذكسي بموجب الهوية حسب ما كان معمولًا به في القانون السابق.
ثانيًا، وافساحًا في المجال أمام كلّ أبناء الكنيسة لهذه المساهمة ومنعًا لحصرها بشريحة أو فئة من أبنائها، وحِفظًا في الوقت ذاته لتنامي الخبرات فيها، لكونها آلية عمل جديدة، اشار القانون إلى خروج ثلث أعضاء المجلس كل سنتين ودخول ثلث بديل آخر، بشكلِ أن يكون المجلس قد تغير بشكل تدريجيّ وكامل في فترة ستة سنوات.
ثالثًا، ابتدع القانون صيغةً لاختيار مجلس الرعية هي "التفاهم بين الراعي والرعية" دون أن يذكر آلية هذا التفاهم بحيث تركها للاختبارت الرعوية. وهي الصيغة التي تُلزم الراعي بالتفاهم مع شعبه، والشعب بالتفاهم مع أسقفه. وأذكر هنا أنّ المطران جورج أجاب عما يتعلّق بمدى الهوية القانونية لهذه الصيغة، بأنهّا صيغة كنسية ونحن نشرّع في الكنيسة، والكنيسة جسم إلهيّ وإنسانيّ معًا.
أتوقّف هنا أيضًا لأذكر أن الترجمة العملية لهذه الآلية، حيث تألفت مجالس الرعايا، تعددت واختلفت باختلاف الرعايا، وحيث أن الكثير من الرعايا اعتمدت الطرق التقليدية بتكليف الأسقف أو كاهن الرعية بالأختيار. ويجدر هنا أن أنقل لكم ما اعتمدته رعيّة الميناء من آلياتٍ رائدة على هذا الصعيد في أوائل المجالس التي أسستها، وهي أن يُترك قبول الترشيح، ومدى توافقه وما حدّده القانون للعضو من سمات، للأسقف، وأن ينتخب المرشحّون، من بعضهم البعض، الأعضاء. وفي آلية أخرى، تالية، اعتمدت أن يسمّي المرشحون لجنة من 3 أشخاص، تسمي، بمعية الكاهن، الأعضاء.
رابعًا، عكَست مواد القانون وحدة الكنيسة بشكلّ مترابطٍ وحيّ، وكسلسلةٍ واحدة. فقالت بأنّ من مندوبي مجالس الرعايا القائمة، وكهنة الأبرشية، يتالف مؤتمر الأبرشية، الذي يحدّد الأسقف عدد أعضائه بما يأخذ بعين الاعتبار أحجام الرعايا وتمثيلها النسبي، وهو المؤتمر الذي ينتخب مجلس الأبرشية الملّي، المكلّف بمشاركة الأسقف في الاشراف على شؤون الأبرشية وإدارتها، والذي، بدوره، يختار 3 من اعضائه لتمثيل الأبرشية، مع الأسقف، في المؤتمر الأرثوذكسيّ العام على صعيد الكرسي الأنطاكيّ.
التعديلات والتنفيذ
دون شرح الأسباب الموجبة، بادر المجمع المقدس العام 1993 إلى تعديل هذا القانون باتّجاه ينزع منه هذه الروحية، فبات مجلس الرعية هيئة معاونة للكاهن، لا مشاركة، ومدة عضويته 4 سنوات دون ذكر عدم امكانية التجديد، وأعطي الأسقف حقّ تعيين ما لا يزيد عن ربع عدد أعضاء المؤتمر الأبرشيّ، وأمسى المجلس الأبرشي الملّي هيئة معاونة للأسقف، لا مشاركة.
وعلى صعيد التنفيذ، فإن هذا القانون لم ينفّذ بكامله، وحسب نصّه، في أي من أبرشيات الكرسي الأنطاكي، وتفاوتت نسب التنفيذ وأشكالها والتقيد بالتجديد، وإنْ على صعيد المجالس الرعائية فقط، بين رعيّة وأخرى. أمّا العوائق فهي برأيي تعدّدت ما بين عدم القناعة الفعلية لدى بعض الأساقفة به رغم إقرارهم له، واندلاع الحرب اللبنانية بتداعياتها لسنوات طوال، ورسوخ العقلية العائلية والعشائرية والوجاهية في بعض الأمكنة وتداعياتها الخلافية في الرعايا.
مواقف الحركة
لم تتوان الحركة، عبر قادتها ومؤتمراتها وكتابات أعضائها واتصالاتها مع الرئاسة الكنسية، عن المطالبة بتنفيذ القانون طيلة هذه السنوات، وكلّ ما يقال عكس ذلك، فهو يخالف الحقيقة. وتفعيلا لهذه المطالبة، بادرت الأمانة العامة 2010 إلى تأسيس اللقاء الرعائيّ مع مجموعة فاعلة من أبناء الكنيسة، غير الحركيين، وبغاية واحدة فقط هي تنفيذ هذا القانون. فجال اللقاء على غبطة البطريرك والسادة الأساقفة وتكررت مطالباته ووضع العديد من التقارير والأوراق، وعقد مؤتمرات خاصة بهذا الشأن، واستمرت اعماله حتى بداية العام 2013 إثر الاختلاف فيه حول الموقف من مشروع الهيئة المدنية الذي كان سيُطرح على جدول أعمال المجمع المقدس.
_________________________
تلى الحديث طروحات وأسئلة من المشاركين، ونقل خبرات عكس بعضها تجارب إيجابية في عمل مجلس رعية، وأخرى سلبية في مجلس آخر نتيجة تداعيات الاصطفافات العائلية والسياسية عليه. أيضًا طالت التساؤلات أسباب عكوف بعض الأساقفة، المفترض أن يكونوا مسارعين، عن تنفيذ القانون بأبعاده كافة، وهل من السليم أن تكون الرعية مغرّبة عما يحمله أسقفها من مواقف وآراء إلى المجمع، ومدى قدرة العضو على الاختلاف مع الأسقف أو الكاهن في الرأي، وهل من قناعة جدّية لدى أعضاء المجمع المقدّس، من خلال طرح الموضوع على جدول الأعمال، بضرورة الخروج من هذا الواقع باتجاه تنفيذ القانون، وصلاحيات المجلس الملّي، ودورالحركة التربوي في هذا الشأن.
وفي سياق الأجابة تم التأكيد على الاتي:
-أن من موقفٍ وحسمٍ ومسؤولية تقع على عاتق كلّ أسقف في حفظ وحدة الرعية عبر إبعاد كلّ من يعجز عن الفصل بين انتمائه السياسي وخدمته الكنسية، بحيث لا يصعب اختيار أعضاء المجالس من الأشخاص الجامعين.
-أنّ قناعات تغيّرت، أو عوامل علائقية واختبارية، قد تكون خلف تلكّؤ بعض الأساقفة في التنفيذ ومتابعة هذا الشأن في المجمع المقدس.
-أنّ مشاورة الأسقف للرعية، والرعية للأسقف، تقتضي الأطر المناسبة، ولهذا الأقصر إليها هو العمل على تنلفيذ القوانين.
-أنّ علينا، في شأن الاختلاف والتوافق في الرأي مع ألساقفة والكهنة، أن نعرف مكانتنا كمؤمنين علمانيين في الكنيسة، ومؤمنين بأن دورنا فيها مُكتسب من جرن المعمودية.
-أنّ من المفترض أن تكون القناعات لدى الأساقفة تغيّرت لكون مواجهة التحديات التي باتت تعترض حياة الكنيسة اليوم تقتضي من القدرات والجهود ما يتخطّى إمكانات أيّ منا الشخصية، وكثير من التعاضد.
-أن صلاحيات المجلس الملّي، قبل تعديل القانون، تطال الاشراف على كافة مؤسسات الأبرشية والجمعيات.
-أن على الحركة التوجّه نحو تغيير جذري في تربيتها وارشادها اليوم يعكس لشبيبتها، بوضوح، أن هذا البُعد لا ينفصل عن أيّ بُعدٍ آخر في التزامهم الحركيّ، وهذا ما لا يُعقل أن يتمّ بغير إيلائه أولوية تتقدم على الأولويات النشاطاتية والمؤسّساتية السائدة.
-أنّ هذا القانون، بعد تعديله، لم يعد صالحًا (برأي الأخ رينيه) لارتكاز الحياة الكنسية إليه، ما يقتضي وضع قانون جديد يعكس المتغيرات في المفاهيم والتحديات خلال أكثر من نصف قرن من تاريخ إقراره.
للتعليق على الموقع أو أيّ من المقالات فيه : اضغط هنا