مساهمة حركة الشبيبة الأُرثوذكسيّة في الثقافة العربيّة ([1])
د. أسعد قطّان
ثقافة أُرثوذكسيّة؟
"تسعى الحركة لإيجاد ثقافة أُرثوذكسيّة تستوحيها من روح الكنيسة".
هذا ما خطّه مؤسّسو حركة الشبيبة الأُرثوذكسيّة، العام 1942، في المبدأ الثالث من مبادئ التأسيس الستّة. ورغم طابع هذه المبادئ المقتضب، ليست هذه هي المرّة الأُولى التي يرد فيها ذكرُ الثقافة. فالمبدأ الأوّل، الذي يعنى بتحديد ماهيّة الحركة، ينصّ على أنّّها حركة روحيّة تدعو أبناء الكنيسة الأُرثوذكسيّة لا إلى نهضة "دينيّة" و"أخلاقيّة" فحسب، بل إلى نهضة "ثقافيّة" و"اجتماعيّة" أيضًا. وفيما يوضح المبدأ الثاني أنّ النهضة الدينيّة والخلقيّة تتأسّس على اتّباع الفروض الدينيّة، ومعرفة تعاليم الكنيسة ونشرها، وتقوية الإيمان، يؤكّد المبدأ الثالث أنّ النهضة الثقافيّة لا تستقيم ما لم يعمد أُرثوذكس هذه الديار إلى خلق ثقافة أُرثوذكسيّة.
الشأن الثقافيّ، إذًا، كان نصب أعين المؤسّسين، لا مسألةً عارضةً في كلام الحركة على ذاتها. فالنهضة التي تشوّف إليها هؤلاء نهضة شاملة لا تفصل الشأن الدينيّ والخلقيّ عن الشأن الثقافيّ والاجتماعيّ، بل تعتبر أنّ المكان الطبيعيّ الذي يُفصح فيه الالتزامُ الدينيّ عن ذاته هو المجتمع، بما يعتمل فيه من حركيّة ثقافيّة. وكلّ المحاولات اللاحقة التي هدفت إلى تقزيم الحركة وجعلها مجرّد مؤسّسة تؤمّن التعليم الدينيّ، إنّما تتغاضى عن "الكلام الأوّل" الذي أنشأه المؤسّسون، وعن الرؤية الأُولى التي ألهمتهم، وقوامها أنّ الجسم النهضويّ الذي يقيمونه أُفقه الأخير إنتاج ثقافة ونمط من الانوجاد والفعل الاجتماعيّ مستمدَّيْن من الإنجيل.
ما معنى القول بثقافة أُرثوذكسيّة؟ يزيّن لي أنّه من السهل، نسبيًّا، إدراك المنطق الذي يحدونا على وسم ظاهرة ثقافيّة ما بسمة الأُرثوذكسيّة. فأيّ ظاهرة ثقافيّة في العالم لا يسعنا التنكّر للتربة التي هي متأصّلة فيها. لا نستطيع دراسة المتنبّي، مثلاً، من دون الإلمام بالمناخ الثقافيّ الذي اتّكأت عليه موهبته الشعريّة، وذلك بقطع النظر عن مدى علمنا بالظروف المباشرة التي أنتجت هذه القصيدة أو تلك. طبعًا، ثمّة أعمال فنّيّة رفيعة نكاد لا نعرف شيئًا عن ظروف نشوئها: ملحمة جلجامش، مثلاً، أو الإلياذة، أو حتّى كتاب أيّوب. ولكن، إذا أخذنا جلجامش، الثابت أنّ هذه الملحمة لم تنبثق من اللا-مكان، بل تنتمي إلى بيئة بلاد الرافدين الثقافيّة، وإلى الحضارة السومريّة-الآكاديّة تحديدًا. أُرثوذكسيّة الثقافة التي صبا إليها مؤسّسو الحركة قوامها، إذًا، الانغراس في تراث الكنيسة الشرقيّة، في لاهوتها وإرثها الليتورجيّ والفنّيّ. وهذه الثقافة أُرثوذكسيّة على قدر ما تستلهم هذا التراث وتتشكّل به. الصعوبة لا تكمن في القول إنّ ثقافةً ما أُرثوذكسيّة الطابع، بل في الطريق المعاكس، أي في مقاربة المعطى الأُرثوذكسيّ بوصفه ثقافة. بكلمات أُخرى: تحديد الثقافة، كائنًا ما كان مضمونها، على أنّها أُرثوذكسيّة، مسألة سهلة: هي أُرثوذكسيّة على قدر ما تتوكّأ على فكر الكنيسة الشرقيّة وحياتها. أمّا توصيف المعطى الأُرثوذكسيّ، بصرف النظر عن مضمونه، على أنّه ثقافة فهو مسألة غاية في الصعوبة، لكونه يستتبع السؤال الآتي: ما الذي يجعل عنصرًا أُرثوذكسيًّا ما، سواء كان أدبًا أو فنًّا تشكيليًّا أو عمارة، ظاهرةً من اللائق أن يُطلق عليها وصف "ثقافيّ"؟ على سبيل المثال، لماذا يصحّ أن نعتبر أدب جورج خضر، أبرز مؤسّسي حركة الشبيبة الأُرثوذكسيّة وأهمّ المنظّرين لها، ظاهرةً ثقافيّةً، فيما لا نسبغ هذا التوصيف على كثير ممّا أنتجه الأُرثوذكس الأنطاكيّون وغير الأنطاكيّين، في القرن العشرين، في مجال الفكر الدينيّ؟ معضلة تعبير "ثقافة أُرثوذكسيّة"، الذي نحته مؤسّسو الحركة في الأربعينات، تقوم، إذًا، في السؤال لا عمّا يجعل الثقافيّ أُرثوذكسيًّا، بل عمّا يجعل الأُرثوذكسيّ ثقافيًّا.
من الجليّ أنّنا لا نجد جوابًا عن هذا السؤال في المبادئ التأسيسيّة للحركة. ولكنّ ما يلفت هو المناخ الانفتاحيّ الذي يفوح منها. فهي تُشدّد على نبذ التعصّب الدينيّ، ونسج روابط أخويّة مع المسيحيّين غير الأُرثوذكس، وتوطيد الرسالة الإنسانيّة للكنيسة. يلوح لي أنّ هذا المناخ يشكّل المفتاح المعرفيّ الذي يرشدنا إلى واحد من أبرز الشروط التي ينبغي أن تتوافر في المعطى الأُرثوذكسيّ حتّى يسوغ اعتبارُه معطىً ثقافيًّا، أعني به قدرته على الوصول إلى الآخر، الآخر في حدّه المطلق، أي بالنسبة إلى الأُرثوذكسيّ ما هو غير أُرثوذكسيّ، وغير مسيحيّ، وغير دينيّ. من النافل القول إنّ هذا الوصول يفترض علمًا واسعًا بهذا الآخر، وبما يتموّر في وجوده من ديناميّات ثقافيّة. وهو يفترض كذلك احترامًا مطلقًا لغيريّته، والعفّ عن أيّ محاولة لاختزال وجوده إلى مجرّد انعكاس للذات. بهذا المعنى، إنشاء ثقافة أُرثوذكسيّة تخاطب المسلمين شرطه معرفة دقيقة للإسلام وأهله، ماضيًا وحاضرًا، وإحجام منهجيّ ووجدانيّ عن اعتباره مزيجًا مسيحيًّا-يهوديًّا، أو مجرّد انعكاس لنور يسوع الناصريّ.
هذان الشرطان، أي معرفة الآخر واحترام غيريّته، ضروريّان (nécessaire) لنشوء ثقافة تصل إلى الآخر، لكنّهما ليسا كافيَيْن (suffisant). والحقّ أنّه من المستحيل وضع لائحة بالشروط الكافية التي تجعل من أيّ عمل فكريّ، أو أدبيّ، أو فنّيّ، ظاهرةً ثقافيّة. إذ من المتعذّر التنبّؤُ بمصير أيّ فكر أو أدب أو فنّ، والجزمُ مسبقًا بأنّه سيترك مستقبلاً بصمات لا تُمحى، بحيث يجوز عدُّهُ في مصافّ ما هو ثقافيّ بامتياز. فالعامل المحدِّد الذي يجعل من أيّ عمل ظاهرةً ثقافيّةً هو كيفيّة تلقّفه في وجدان الجماعة التي يتوجّه إليها. وعمليّة التلقّف هذه، بالإضافة إلى تعقّدها، قد تقصر أو تطول. وهي لا تتطابق، بالضرورة، وردودَ الفعل الأُولى على هذا العمل. حسبنا التفكّر، مثلاً، في "فشل" أُوبرا كارمن لجورج بيزيه (1838-1875) في عروضها الأُولى قبلما تصبح، بعد موت مؤلّفها، واحدةً من أهمّ ما تعرضه دور الأُوبرا عبر العالم، أو في ما لاقاه فنّ الأخوين عاصي (1923-1986) ومنصور (1925-2009) الرحبانيّ إثر انطلاقته من عدم استساغة الجمهور له، لكونه يتعارض والمألوفَ في موسيقانا. الجسر الذي ينقلنا ممّا يجب أن يتوافر، ضرورةً، في العمل الفنّيّ أو الفكريّ حتّى يغدو مؤهّلاً لأنّ يصبح ظاهرةً ثقافيّةً إلى ما هو ظاهرة ثقافيّة بالفعل والكفاية يتلخّص بكلمة سرّ واحدة: الإبداع. وهذا تحديده أنّه غير قابل للتحديد. فهو متفلّت، لا ينصاع لقاعدة سابقة، ولا يركن لقالب، ولا يستمدّ تبريره من أيّ صيغة ماضية، حتّى لو ارتضى أن يستلهم ما أنتجه سابقونا من ثقافة. ينتج من هذا أنّ مفهوم الثقافة الذي تستند إليه هذه الأفكار، وإن لم يصرَّح به علانيّة، مفهوم رفيع، صارم، ربّما نخبويّ، إذ ليس كلّ إنتاج فكريّ ثقافة، وليس كلّ إنتاج أدبيّ ثقافة، وليس كلّ إنتاج فنّيّ ثقافة. فالثقافيّ قائم في جدّة مادّته، في سعتها وعمقها، وخصوصًا في احترامه ثقافة الآخر وقدرته على مخاطبته من حيث هو آخر.
لا ريب أنّ في إنتاج بعض من انتمى إلى حركة الشبيبة الأُرثوذكسيّة، أو عرّج عليها، أو استلهمها، لمحات توائم هذه المقاربة للثقافة. فمن أدب الياس خوري، مرورًا بالإنتاج العلميّ لكلٍّ من المؤرّخ اللاذقيّ جبرائيل سعادة وطارق متري والأب جورج مسّوح وجورج تامر، أُستاذ الدراسات العربيّة في جامعة أوهايو، وصولاً إلى مقالات جورج ناصيف الصحفيّة، معالم ثقافيّة فذّة يحمل الكثير منها بصمات حركة الشبيبة الأُرثوذكسيّة، لا من حيث كونها مؤسّسة، بل في صفتها تيّارًا يستقي تسويغه من شخص يسوع الناصريّ. في يسوع هذا كتب جورج ناصيف مؤخّرًا: "لن أعتاد عليه، مهما توالت السنون. لن تشيخ سيرته، ولن يدجّنه المسيحيّون أو يفصّلوه على قياسهم ... أو يسامحوه على شراسته في حبّ المساكين والملعونين (...) سيبقى قارسًا وشاردًا وحادًّا واستفزازيًّا، ولا يصلح للاجتماعيّات والمناصب الرفيعة (...) سيبقى شاعرًا وروائيًّا وحكواتيًّا وخطيبًا، وتحلو له معاشرة الأغراب والبرص"([2]). وفي يسوع هذا قوّل الياس خوري، في رائعته "باب الشمس"، شخصيّة الدكتور خليل المسلم، مخاطبًا يونس، المقاتل الفلسطينيّ المصاب بالغيبوبة، ما لا يقوله إلاّ من عاشر عيسى ابن مريم من داخل منطق الصليب، واختبره شفّافًا في ضياء الأيقونات البيزنطيّة: "أنا لا أستطيع تخيّل العالم الذي ينتظرك، اصنعه أنت، اصنعه كما تشاء، اصنعه جديدًا وجميلاً. قُلْ للجبل أن ينتقل، فينتقل. ألم يكن عيسى عليه السلام، يقول للجبال انتقلي، ألم يكن هو الابن الذي رسم صورة أبيه حين مات على الصليب"([3]). في ظلّ هذه اللمحات الآتية من إنجيل يسوع، هذه "الحكاية المفتوحة على اللانهائيّ"([4])، لا ترتسم أسئلة جديرة بالدرس عن العلاقة بين الدين والأدب في الثقافة العربيّة فحسب، بل تتبدّى أيضًا قدرة الأدب على تحرير الدين حين ينـزع بعض أهله إلى الغلوّ في التنميط العقيديّ.
جورج خضر: مدّ المسيح إلى عالم اليوم
لكنّ مساهمة أهل حركة الشبيبة الأُرثوذكسيّة في تشكيل الثقافة العربيّة تتخطّى حدود اللمحات إلى بلورة مشروع ثقافيٍّ واضح المعالم، وذلك لدى كلٍّ من جورج خضر وكوستي بندلي. نحن، مع الأوّل، في قلب السؤال الذي شغلنا في البدء: ما الذي يجعل أدب جورج خضر، وهو أدب دينيّ عربيّ بامتياز يتمحور من ألفه إلى يائه حول يسوع الناصريّ كما تلقّفته وقالته الكنيسة الشرقيّة، ظاهرةً ثقافيّة؟ يتّسم فكر خضر بمعرفة دقيقة للظواهر الثقافيّة المقيمة خارج الأُطر الكنسيّة، من الإرث اليونانيّ القديم في الفلسفة والتأريخ والعلوم، مرورًا بتاريخ الفنّ على أنواعه في بيزنطية والمدى الإسلاميّ والعصور الوسطى في الغرب والنهضة الأُوروبيّة، وصولاً إلى ظواهر مغرقة في حداثتها كالشعر والمسرح الفرنسيَّيْن، كلّ هذا على حسٍّ نقديٍّ تحليليٍّ لا يكتفي بظواهر الأُمور، بل يستجلي بواطنها. ويصاحب سعةَ المعرفة عند خضر موقف احترام عميق لكلّ ما هو ثقافيّ خارج المسيحيّة يصل، غير مرّة، إلى حدّ الانشغاف الوجدانيّ، سواء كان موضوعه القرآن أو التصوّف الإسلاميّ أو التوازن بين العقل والقلب في ما يسطع من جمال في باريس: "الجمال (في باريس) ينـزل في موضعه العقليّ، فأشياؤهم في مقاييس، أشياؤهم البادية. ويأتي شعرهم على هذا المزاج من العقل والشعور، ويندر هذا في أيّ لغة أقرأ شعرها. هناك من كان أعظم منهم جرسًا أو تصويرًا وخيالاً، لكنّ أحدًا لا يفوقهم في الميزان"([5]). غير أنّ العصب الثقافيّ في فكر خضر لا تختزله سعة العلم، ولا احترام الآخر في غيريّته، أو الانشغافُ به. هذه، كما رأينا، شروط ضروريّة، لكنّها غير كافية. فلئن كان من الضروريّ أن يتجاوز المعطى الأُرثوذكسيّ ذاته إلى رحاب ما هو خارجه حتّى يتسنّى له أن يصير ثقافةً تعني الجميع، من هم على الدين ومن هم على اللادين، إلاّ أنّ هذا الخروج ليس كافيًا في ذاته. سمة خضر كظاهرة ثقافيّة لا تكمن في الخروج فحسب، بل في الوصول، أي في قدرته على مخاطبة مَنْ ليسوا معنيّين بالأُرثوذكسيّة، أو بالمسيحيّة، أو بالدين، في مشروع حواريٍّ مفتوح على نشدان الحقيقة المطلقة. وهذه القدرة تتجاوز المعرفة الوضعيّة، لأنّها لا تأتي من الكتب، وإن كانت الكتب تساهم في تعزيزها وصقلها. بكلمات أُخرى: قدرة خضر على الولوج إلى عقول مثقّفي هذه الديار قوامها، إلى جانب سعة المعرفة والعقل التحليليّ والانفتاح الفكريّ والوجدانيّ، عبقريّة خضر الأدبيّة التي تجعله في مرتبة أهمّ من كتبوا العربيّة في ديارنا. وذلك لا من حيث بلاغة الكلمات واختيار تلك التي تمدّ الجسور فحسب، بل خصوصًا من حيث طاقة الشعر الكثيفة فيها:
ويوجعني الحصى، والشوك يجرح
وأتفتّتُ، والرياح تذرّي، والأشواق تبقى
كيف أشدّ التوقَ حتّى أصعد على جذع النخلة
لأختفي في الأزاهير، وأرى البادية يبتلعها الحبّ
والرؤيةُ الرياض؟
إذن، أنا أطلع قبل الفجر المطلّ على الصحارى
أنا اغتسلتُ في الأحواض على مشارف البادية
أجيء من رحم الإله إلى عشراء الحصى
إذا أدبر الحرّ، وأقبل العزاء
وسَكَنْتَ إلينا كالحمرة إلى أوراق الخريف([6])
الجدير بالذكر أنّ الشعر في أدب خضر منابعه، أو قُلْ مضاربه، قصيدةُ النثر الحديثة التي اخترقت عالم الشعر العربيّ في النصف الثاني من القرن العشرين، لا التنميط الكلاسيكيّ الآتي من أزمنة العرب الغابرة. فمن أراد قصّ حكاية هذه القصيدة في أدبنا الحديث، أو اكتناه غوامضها، أو التمتّع بما تفتّقه من أبعاد معنويّة، لا يسعه ألاّ التوقّف مطوّلاً عند خضر. واللافت أنّ كاتبنا لا يتبدّى قادرًا على الإتيان بقصائد نثريّة تضارع ما نعثر عليه عند كبار شعراء النثر فحسب، بل هو أيضًا على براعة نادرة في مزج اللمحات الشعريّة بأدب المقالة، وهذا، في علمي، منحىً أدبيّ تجديديّ لم يسبقه أحد إليه. في جورج خضر، يقترن اللاهوتيّ الواسع الاطّلاع بالعالم النقّاد والشاعر الطليعيّ، كلّ ذلك في حمى مشروع فكريٍّ يتمحور حول مدّ المسيح إلى عالم اليوم: "نحن قضينا قرونًا عشرين ذقنا فيها كلّ علم وكلّ فنّ وكلّ اختلاجات القلب البشريّ، واستشرفنا كلّ الحضارات، وتعلّمنا أنظمة البشر وشرائعهم وأحكامهم، واستلذذنا كلّ بهاء، وتربّعنا في كلّ مجد، بحيث لا يخفى عنّا فرح في الوجود. طفنا كلّ الجنّات، ولكن لا يذهلنا إلاّ هذا الذي جعله الله مختاره بآلامه وطاعته ... وإذا نحن نظرنا إليه، نُسلم له عائدين إلى وجهه في صحوة السكر، وينطلق الترتيل"([7]). فإذا أطلّ صاحب هذا المشروع، اللاهوتيُّ العالمُ الشاعرُ، من مصلوبه على كلى الآفاق، على المسلمين ونبيّهم، على اليهود وتراثهم الفلسفيّ والصوفيّ، على شرائع العلمنة وأحكامها، على المؤمنين والملاحدة، كأنّ الأرض في عينيه دار، كما كتب أبو تمّام ذات يوم، كانت ثمارُ كلّ هذا مدماكًا جديدًا من مداميك ثقافتنا العربيّة، على أرفع ما تكون عليه هذه الثقافة.
كوستي بندلي: الحوار كمشروع ثقافيّ
"إنّ موت المسيح وقيامته هما الحدّ الفاصل بين الإيمان والسحر، بين الرمز والخرافة"([8]). كاتب هذه السطور، كوستي بندلي، مثقّف مسيحيّ أُرثوذكسيّ من خارج طوابير المثقّفين، أو أشباه المثقّفين، وواجهاتهم اللمّاعة. هذا المولود في أسكلة طرابلس، كما يحلو له أن يسمّي مدينة الميناء، منطلقه أنّ الإيمان المسيحيّ، حتّى تكون له كلمة يقولها في عالم اليوم، لا مناص له من الانخراط في عمليّة حواريّة مع مختلف مظاهر الثقافة الإنسانيّة. والحقّ أنّه من العسير أن نعثر، في أوساطنا، على قامة فكريّة تلمّ بهذه الثقافة، سعةً وعمقًا، كما يلمّ بها بندلي، معلّم الأجيال في حركة الشبيبة الأُرثوذكسيّة. فهو، بادئ ذي بدء، اختصاصيّ في علم النفس التحليليّ وعلوم التربية، لا عبر تدريسها في الجامعة اللبنانيّة واستلهامها، على مدى سنوات، في الإرشاد التربويّ فحسب، بل خصوصًا بفضل الإنجاز المعرفيّ الذي حقّقه عبر أُطروحة دكتوراه رفعها، العام 1981، إلى جامعة ليون الفرنسيّة.([9]) وفيها يضع بندلي مدماكًا جديدًا من مداميك الحوار بين المسيحيّة والفرويديّة، مبيّنًا كيف يتأصّل الدين الحقّ في الخبرات الوالديّة والأُموميّة، ويتجاوزها في آن، بحيث تكتسي هذه الخبرات طاقة الرمز الذي يكشف ويحجب على حدٍّ سواء. ولكن بالإضافة إلى علوم النفس والتربية، كوستي بندلي دارس دقيق للفلسفة الحديثة من نيتشه (1844-1900) إلى بول ريكور (1913-2005)، تشهد على ذلك استعانته بفلاسفة ومفكّرين مُحدثين في تطويره نظريّته "الرمزيّة" في نشأة الدين، فضلاً عن نقاشه المرن مع الإلحاد المعاصر في شكليه الماركسيّ والسارتريّ. وهو، إلى ذلك، متتبّع لا يكلّ للآثار الأدبيّة، قديمًا وحديثًا، يغرف منها ما يوطّد تحليله الظواهر النفسيّة والاجتماعيّة، وذلك لاقتناعه بأنّ الأدباء التقطوا، بحسّهم الثاقب، الكثير من حركات النفس البشريّة وميولها الظاهرة والباطنة. ونشير، في هذا الصدد، إلى أنّ بندلي ينتمي إلى طليعة مثقّفي بلادنا الذين استنجدوا بالرواية العربيّة وثمّنوا دورها في تحليل الذات الإنسانيّة، وذلك منذ مطلع السبعينات، أي حين لم تكن الرواية قد فرضت ذاتها بعد أداة التعبير الأدبيّ الأُولى في العالم العربيّ.
ينتج من هذا المرور السريع أنّنا، هنا، أمام مشروع يتّسم بما أشرنا إليه أعلاه كشرط أساس من شروط الحضور الثقافيّ، أي سعة العلم بالآخر والانكباب على درسه واحترامه في غيريّته والاعتراف بمنجزاته. يضاف إلى ذلك أنّ انتشار فكر بندلي في الأوساط المشرقيّة غير الأُرثوذكسيّة وغير المسيحيّة، ولا سيّما مواقفه في فضح الطائفيّة ومساوئ مجتمع الاستهلاك وتهميش المرأة، من ضمن آليّة تفاعل نقديٍّ خلاّقة، إنّما يدلّ على أصالة البعد الثقافيّ الذي يحمله هذا الفكر. لكنّ ما أودّ التوقّف عنده، من باب التخصيص، هو ماهيّة هذا المشروع الثقافيّ الذي يمثّله إنتاج كوستي بندلي. لقد أومأت أعلاه إلى أنّ رغبة بندلي في جعل المسيح حاضرًا اليوم، في الواقع المجتمعيّ الذي ينتمي إليه،([10]) جعلته يؤمن بضرورة الحوار بين المسيحيّة والثقافة الحديثة. هل يستحقّ هذا الحوار أن يدعى "مشروعًا ثقافيًّا"؟ الجواب، في تصوّري، لا يمكنه أن يكون إيجابيًّا، إلاّ إذا شاطرنا بندلي فهمه العمليّة الحواريّة. والحقّ أنّه يفقه الحوار بوصفه مغامرةً كبرى، مغامرة تغيّر وتحوّل. فالحوار ليس البحث في الثقافة الحديثة عمّا يعزّز المسيحيّة التقليديّة ويرسّخ عقائدها عبر الإشارة، مثلاً، إلى المآزق المعرفيّة والوجوديّة التي تكتنف هذه الثقافة. والحوار ليس قوامه إعلان عدد من نقاط التلاقي بين المسيحيّة والفكر الحديث، وذلك رغم وجود هذه النقاط في ما يختصّ بكرامة الإنسان وحقوقه مثلاً. الحوار، في مقاربة بندلي، عمليّة نقد ذات، بالدرجة الأُولى. إنّه الاستعداد للاهتداء بما يستبين حقًّا في الثقافة "الخوارجيّة". وإنّه، تاليًا، الاستعداد للتشذيب والإصلاح والتجدّد: "تلك هي معاناة التديّن الذي يتجاذبه أبدًا هذان القطبان؛ الرمز والخرافة، الإيمان والسحر. لذا فهو مدعوّ إلى عمليّة تنقية دائمة كي يستقيم ويتطهّر من شوائبه. وعليه من أجل ذلك أن يتقبّل برحابة صدر الانتقادات التي يوجّهها إليه الذين من الخارج، ولو كان فيها بعض التجنّي، لأنّهم بتصدّيهم لما يتعرّض له من انحرافات، يساعدونه على تصحيح المسار ويكونون له، من حيث يدرون أو لا يدرون، من حيث يقصدون أو لا يقصدون، عونًا على تحقيق هذه التوبة (بالمعنى الإنجيليّ لهذه الكلمة، وهو تغيير الذهنيّة وانقلاب المفاهيم) التي لا بدّ له أن يمارسها باستمرار، إذا شاء أن يحقّق أصالته"([11]). ممّا لا يرقى إليه الشكّ أنّ بندلي يتطلّب الموقف ذاته، أي النقد الذاتيّ، من الثقافة الحديثة في حوارها مع المسيحيّة مشيرًا، مثلاً، إلى مدى الاختزاليّة في موقف الفرويديّة من ظاهرة الدين، أو في موقف الإلحاد الفلسفيّ من الإنسان. غير أنّ هذه المواجهة النقديّة لا تمنعه، هو المسيحيّ الأُرثوذكسيّ المؤمن بأنّ يسوع الناصريّ هو ملء الحقّ، أن يعي ذاته "طالب حقيقة حتّى آخر رمق من حياته". وهذا لا يمكن تفسيره إلاّ من باب أنّ الحوار الحقيقيّ، في رأيه، عمليّةٌ على كثير من الرصانة في العلم، وعلى كثير من الاتّضاع في الخُلُق. ووحده اقتران الموضوعيّة المعرفيّة بالتواضع الروحيّ كفيل بأن يكشف كيف أنّ المتأصّل في الحقّ تنسكب عليه، بفعل الآخر، شريكه في الحوار، أنوار جديدة في مقاربة هذا الحقّ وإدراكه. ذلك بأنّ الحقّ، مهما امتدّ تأصّلُك فيه وعَمُقَ، لا يحدّه هذا التأصّل، ولا يستغرقه. فالحقّ لا ينتمي إليك، بل أنت تنتمي إليه. كوستي بندلي الأُرثوذكسيّ، بتوصيفه ذاتَه أنّه "طالب حقيقة"، يبيّن كيف أنّ الحوار في صفته مشروعًا ثقافيًّا يقوم، أوّلاً، في حامله، بمعنى أنّه لا يحتمل أيّ انفصال للمعرفة عن الأخلاق.
خاتمة
إنّ ما سبق من عرض، على طابعه الموجز، كفيل بأن يبيّن مدى التلاقي بين جورج خضر وكوستي بندلي من حيث مساهمتهما الثقافيّة. والحقّ أنّ أهمّيّة هذا التلاقي لا تكمن في التقارب المضمونيّ فحسب، أي في ما يجمع خضرًا وبندلي في نظرتهما إلى الفلسفة وعلم النفس والأدب والإسلام، بل في الأُسس التي تنبني عليها مقاربة ما يصطخب في "الخارج" من ثقافة، كالسعة المعرفيّة والذهاب إلى الآخر بوصفه آخر والانشغاف الوجدانيّ ببعض ما هو عليه. بيد أنّي أودّ أن ألفت إلى نقطة التقاء مركزيّة في المشروع الثقافيّ بين خضر وبندلي لا تخصّ مقاربة الآخر، بل مقاربة الذات. لقد طالعتنا أهمّيّة النقد الذاتيّ في مشروع بندلي، واسترسلنا في توضيحها. ولا تترك عشرات المقالات الخضريّة أيّ مجال للشكّ في أنّ صاحبها يتقن عمليّة تفكيك التاريخ والتديّن المسيحيَّيْن. أليس هو من كتب، ذات يوم: "من هنا أنّنا نرتمي بلا خشية على حصيلة المعرفة كلّها، ونغرف منها بلا وجل، ونتوغّل في إيمان قد ترتجّ له عتبات الدين بمعناه التقليديّ المجتمعيّ الجامد. فالمعرفة العلميّة دائمًا مطهّرة. وإذا ثبتت، فإنّها حقيقة من الله كامنة في خلقه"([12])؟ الحقّ أنّ القدرة على النقد والتشذيب لا تنحصر، لدى خضر وبندلي، في ما كان عليه التاريخ المسيحيّ من عنف وما قد يكون عليه التديّن الحاضر من تطرّف أو انبهار بالخرافات، بل تصل إلى ما قد يعتبره آخرون من لبّ الإيمان المسيحيّ. فتسائل، باسم تطوّر العلوم الإنسانيّة الحديثة، بعض المحطّات التفسيريّة لدى آباء الكنيسة، وتستقبح غلوّ التراث، أو معظمه، في ذكوريّته، ولا تتوانى عن فضح أُسطوريّة الكثير ممّا دُوِّن في سير القدّيسين، ما يمهّد الطريق لمقاربات فكريّة غاية في الجرأة والجدّة والطواعيّة. من ضمن الإخلاص لإنجيل يسوع، الإله-الإنسان الذي مات وقام، ثمّة، إذًا، لدى خضر وبندلي، حرّيّة في التعامل مع المعطى التراثيّ المسيحيّ ذاته. ولا أحسبني أُجانب الصواب إذا افترضتُ أنّ هذه الحرّيّة تشكّل قاعدةً لا بديل منها لكلّ مساهمة ثقافيّة مسيحيّة، أو أُرثوذكسيّة، جديرة بالاعتبار. إلاّ أنّ الحرّيّة ليست مجرّد شرط الولوج إلى رحابة الثقافة من باب الدين، بل هي أيضًا، بمعنىً ما، الرهان الأخير لمغامرة الولوج هذه. فمتى اقترن الإخلاص لذلك النور "الذي تفجّر خلال ثلاث سنوات عند طريق بحر الجليل"([13]) بالحرّيّة في إعادة قراءة ما تراكم، عبر القرون، من فكر وممارسة في صفوف بعض من قالوا إنّهم أتباع يسوع الذي من الناصرة، ومتى تداخلت المعرفة الكثيفة بالانفتاح الكثيف، ومتى انصهر العشق بالإبداع، أنتج بنو حركة الشبيبة الأُرثوذكسيّة وبناتُها ثقافةً أُرثوذكسيّةً خلاّقةً يغتذي الناس بها في هذا الشرق. والحقّ أنّي لا أجد، ختامًا، لوصف هذا المناخ أفضل ممّا كتبه جورج خضر، ذات يوم، مومئًا إلى الحرّيّة التي يتعاطى بها آباءَ الكنيسة: "أُحاور الأكابر بيننا، ويقيمون في فكري، وآخذ ما آخذ في حرّيّة الابن الوارث آباءه، والوريث يستمتع بالإرث ويتصرّف به في آن. فإنّي أُلقي عنّي من أقوالهم ما أرى أنّهم كانوا فيه مخطئين أو غلاةً أو غير مدقّقين. أنا أُسكتهم أحيانًا، لأنّنا نتلاعب في العائلة على دالّة كبيرة، كما يتلاعب الولد الشرعيّ ووالدَه"([14]).
(1) أُلقيت هذه المساهمة في إطار المنتدى الحركيّ الأوّل للفكر والإعلام الذي نظّمته حركة الشبيبة الأُرثوذكسيّة في الأوّل من آذار 2008. والنصّ المنشور هنا طبعة معدّلة لما نُشر في جريدة النهار، 16 و23 آذار 2008.
(2) النهار، 19/12/2007.
(3) الياس خوري، باب الشمس، بيروت: دار الآداب 2008، ص 445.
(4) الياس خوري، الحكاية المفتوحة على اللانهائيّ. قراءة أدبيّة لأناجيل الطفولة، في: أناجيل الطفولة. قراءة لاهوتيّة وتاريخيّة وأدبيّة، بيروت: منشورات مطرانيّة الروم الأُرثوذكس في بيروت 2001، ص 43-59.
(5) جورج خضر (المطران)، سفر في وجوه، بيروت: دار النهار 2001، ص 128 (إلى أوروبا ومنها، 23/9/1995).
(6) جورج خضر (المطران)، مواقف أحد، بيروت: دار النهار 1992، ص 253 (الفجر المطلّ على الصحارى، 13/10/1985).
(7) جورج خضر (المطران)، مطارح سجود 1، بيروت: دار النهار 2001، ص 141 (الأُسبوع العظيم المقدّس، 18/4/1992).
(8) كوستي بندلي، التديّن بين الإيمان والسحر. خواطر حول قصّة "دايم دايم" لمارون عبّود، في: النور 6/7، 1981، ص 165-171، هنا 169.
(9) راجع:
Constantin Bendaly, Images parentales et attitudes religieuses, Lyon 1981.
(10) في هذا يتقاطع كوستي بندلي مع جورج خضر، ومع توجّه حركة الشبيبة الأُرثوذكسيّة عمومًا.
(11) بندلي، التديّن بين الإيمان والسحر، ص 171.
(12) جورج خضر (المطران)، لو حكيت مسرى الطفولة، بيروت: دار النهار 2001، ص 74.
(13) جورج خضر (المطران)، مطارح سجود 2، بيروت: دار النهار 2001، ص 101 (النور العظيم، 12/1/1991).
(14) خضر، مطارح سجود 2، ص 175 (كوكبة قدّيسين، 30/11/1996).