الأرض والملكوت
كوستي بندلي
محاولة لتأريخ مسار الفكر الاجتماعي في حركة الشبيبة الأرثوذكسية (1962 – 1975)
1- مقدمة (2005)
في خضم الأحداث التي تهزّ راهنًا لبنان والمنطقة، وحيال وتيرتها المتسارعة وحجمها اللافت وبعدها المصيري والمآسي التي ترافقها، يستيقظ في الحركة، بعد ركود، هاجس مواجهة الشأن العام بكل تشعباته وتعقيداته، والوقوف منه موقفاً مسؤولاً وملتزماً في نور إنجيل الخلاص ووفقاً لمقتضياته.
من هنا أننا رأينا مؤخراً مركز طرابلس للحركة يدرج هذا الموضوع في جدول أعمال مؤتمره الداخلي الأخير، فيتدارس المؤتمرون ورقة بهذا الصدد طُلب من الأب الدكتور جورج مسّوح، مدير مجلة "النور"، وضعها، ويوزّع عليهم، بالمناسبة، نص "وثيقة التزام شؤون الأرض" التي أقرها المؤتمر الحركيّ العام الثاني عشر في كانون الأول 1970، أي منذ 35 سنة، لكي يتخذوا من هذه الوثيقة منطلقاً لهم ومرجعاً لمواجهة ما تتطلبه الأوضاع الحاضرة.
إلا أنني أرى أن تلك الوثيقة – المرجع لا يمكنها أن تأخذ كل حجمها ومدلولها، لا بل أنها تفقد الكثير من قدرتها على مخاطبة النفوس وحفزها وإلهامها، إذا لم توضع، من جهة، في نصاب السياق التاريخي الذي قاد الحركة إلى إصدارها، والذي أتت تتويجاً وتكريساً له، ولكنها، بالمقابل، تستمد منه كل زخمها وكثافتها وملحاحيّتها. ومن جهة أخرى، أرى أن تفعيل الوثيقة الآن، أي إطلاق قدرتها على تعبئة الضمائر وتحريكها باتجاه الخط الذي ترسمه، مرهون بإجراء كشف لا بدّ منه، على دقته وصعوبته، كشف للأسباب التي سرعان ما آلت بهذه الوثيقة إلى طريق مسدود وحالت عملياً دون تطبيقها بشكل متكامل فعّال. فإذا لم نبذل الجهد المطلوب للعودة إلى ذلك الماضي واستقصاء ما شابه من أخطاء وعثرات، علّنا نأخذ منها عبراً هادية، أخشى أن يبقى رجوعنا إلى الوثيقة صورياًّ وعقيماً.
لذا، فرغبة مني بوضع "وثيقة التزام شؤون الأرض" في إطارها الصحيح، على أمل أن تستعيد، من جراء ذلك، ألقها ومصداقيّتها وفاعليّتها، فكرّت أن أجمع في منشور واحد نصَّين لم يُنشرا قبلاً. أحدهما حديث ألقي في اجتماع حركيّ عقد سنة 1976، والثاني لم أتمكن من إلقاء سوى الجزء الأول منه، وذلك في اجتماع حركيّ آخر عقد سنة 1992. الأول كُتب بعد صدور الوثيقة بوقت وجيز، لا يتعدى ستّ سنوات، والثاني بعد أن مضى على ظهورها زمن طويل نسبياً، يتجاوز العشرين سنة. وتفصل بين الحديثين الحرب اللبنانية الطويلة (1975 – 1990) بضراوتها وما ألحقته بالبلد من خراب على كلّ الأصعدة. الاثنان يؤرخان للوثيقة، ويحدّدان مكانها في المسار الحركيّ، ويخلصان كلاهما إلى التنويه بتجميدها المرير ويجتهدان في كشف أسبابه. الثاني أكثر توسعاً وتفصيلاً من الأول، ولكن كلاهما يبقى مجرد محاولة يعوزها الكثير من التوسع والتدقيق ولكنها محاولة شاهد عايش المسار الحركيّ منذ بداياته ورافق باهتمام بالغ وجهه الاجتماعي وحاول أن يلتقط كل ما تسنّى له من معالمه.
يتناول النصّان الفترة الممتدة بين 1962، وهي السنة التي بدأ فيها الفكر الاجتماعي الحركيّ يبرز بوضوح، بعد فترة من التحضير، (وهي السنة التي فيها بدأ مثلاً الأب جورج خضر يكتب في جريدة "لسان الحال" بتوقيع "وائل الراوي")، و1975، وهي السنة التي نشبت في مطلعها (13 نيسان) الحرب اللبنانية. إنهما يؤرّخان إذا للفترة الممتدّة قبل الحرب اللبنانية، ويحاولان أن يبيّنا كيف أن انطلاق الفكر الاجتماعي الحركيّ الذي بلغ، سنة 1970، محطّة متقدمة من نموّه تجلت بتكريسه عِبْرَ إقرار "وثيقة التزام شؤون الأرض"، تعثّر بعد ذلك بسبب الخلاف على تأويل تلك الوثيقة، وبهذا التعثّر، للأسف، واجه الأحداث المصيرية التي فرضتها الحرب.
مع ذلك، لم تضع الحرب حداً له، بل، على العكس، كانت المأساة التي عاشها البلد حافزاً لانطلاق العديد من المواقف والأعمال التي عاشها حركيون عديدون، على الأرض، جنباً إلى جذب مع سواهم من المواطنين، شهادة للحق والانفتاح والوحدة والسلام، وخدمة للناس في متاعبهم، كما أن التعبير عن هذه المواقف بالكلمة، تواصل عِبر مقالات صحفية (كتلك التي كتبها المطران جورج خضر في "النهار" وجُمع بعضها سنة 1987 تحت عنوان "الرجاء في زمن الحرب"، وتلك التي كتبها الأب عصام بيطار – الأرشمندريت توما حالياً) وأحاديث وندوات (كتلك التي جُمع بعضها في كتاب "موقف إيماني من الطائفية" – 1982 – والبعض الآخر في "المحبة والعدالة والعنف"، 1994). ولا بد برأيي، من دراسة تتحرى وتجمع هذه المواقف والكتابات التي عبّرت عن تواصل، لا بل عن احتدام، هاجس الشأن العام لدى الحركيّين في ذلك الزمن الرديء. ولكن هذه التعابير، على غزارتها، وما تميّزت به من روعة في كثير من الأحيان، بقيت متفرقة، وقد زادت من شرذمتها عوائق الحرب وضغوطها. فقد كان حركيون يلتزمون بالفعل والقول، هنا وهناك، وفقاً لقناعاتهم، ولكن الحركة لم يُتح لها أن تقف، كجماعة، المواقف النبوية التي كان يُنتظَر منها أن تقفها لولا تعثّر "وثيقة التزام شؤون الأرض".
أما بعد أن وضعت الحرب أوزارها مخلّفة تلك الأجواء الضاغطة، المحُبِطَة، القَلِقة، التي لم نخرج منها إلى الآن، فإن قباحة وهول أحداثها خلّف لدى الكثير من الحركيّين زهداً بالاهتمام بالشأن العام، الذي ارتبط لديهم بالشرّ والبغضاء والقتل. وركن أفضل هؤلاء إلى الارتماء في نمط من التديّن ينشد الخلاص بعيداً عن العالم وشؤونه وشجونه، كما أن الضغوط الاقتصادية الخانقة التي خلّفتها الحرب حملت الكثيرين إلى الغرق في المشاغل المعيشية. كل ذلك أدى إلى كسوف الفكر الاجتماعي في الحركة. فغدت "وثيقة التزام شؤون الأرض"، بالنسبة للغالبية، نسياً منسياً. مع ذلك استمرت شعلتها كالنار تحت الرماد وألهمت أعمالاً (على شاكلة "لقاء الأربعاء" و"لقاء الجمعة" في طرابلس – الميناء) وكتابات (كمقالات المطران جورج خضر الأسبوعية في جريدة "النهار" وكتاب "الإيمان والتحرير"، 1997، وكتاب "النضال اللاعنفي: ملامح وصور"، 2000، والكتاب الذي يُعدّه د. خريستو المرّ بعنوان "خارج الأوهام. وسائل الإعلام وحرية التعبير")، لا بدّ أن تتحرّاها دراسة ترصد ما آل إليه الفكر الاجتماعي الحركيّ بعد الحرب.
فبانتظار أن تكتمل الصورة ويتوافر المزيد من المعلومات، أرجو أن تساعد محاولتي هذه الحركيّين على قراءة الماضي بتوهّجه وظلاله، بديناميّته وعثراته، بإنجازاته واخفاقاته، وأن يؤول ذلك، في آخر المطاف، بنعمة رب المستحيل وتجاوبنا معها، إلى وثبة جديدة للهاجس الاجتماعي في الحركة، ينتفض بها على الجمود الذي كبّله طويلاً ويستعيد حيويته وزخمه، بحيث نغدو لله سبيلاً متواضعاً من سبل خلاصه، يتخذه حنانه معبراً يطلق منه في الأرض قدرة قيامته الظافرة، تحريراً وتجدداً يتوق إليهما إنسان اليوم في مأساته وعالمنا في مخاضه العسير.
طرابلس - الميناء 8-16/11/2005
2- عيد الحركة في ظلّ الأحداث الراهنة مراجعة لتاريخنا على ضوء لهيب "حرب السنتين" (1976)
مقدمة
الأحداث الراهنة تتحدى الوجدان المسيحي، وبالتالي تتحدى الحركة كجماعة مسيحية ملتزمة. انها تنبهنا بشدة الى مسؤولياتنا وتطالبنا بمواقف. لذاكان لا بدّ من التأمل معاً في البعد الاجتماعي للالتزام الحركيّ، علّنا نتمكن من نقد ذواتنا (وهذا ما يسمى باللغة المسيحية الاعتراف والتوبة) ومن توضيح الخط الذي يمكننا أن نسلك فيه في المستقبل.
في هذه المناسبة التي نحيي فيها ذكرى تأسيس الحركة ونسترجع فيها حقبة من تاريخها، اخترت أن يكون (حديثي) ذات طابع تاريخي هو أيضاً، أي أن أستعرض أمامكم، ولو بالخطوط العريضة، تطوّر الحركة من حيث اكتشافها وتعهّدها للبعد الاجتماعي لالتزامها، علّنا نتجذر في تراثنا ونستفيد من عبرة الماضي، بما فيهامن ايجابيات وأخطاء، لنرسم طريقنا المستقبلية.
الوضع الأرثوذكسي في بلدنا عند ظهور الحركة
كثيراًُ ما تردد علىمسامعكم أن الأرثوذكسية الانطاكية كانت، عند ظهور الحركة، تعاني من الانحطاط الديني والهزالة الروحية الشيء الكثير، ولعل هذا الكلام بحاجة الى توضيح لمن لم يعايش تلك الظروف المؤلمة. ولذا كان لا بدّ من رسم لوحة، ولو سريعة، لتلك الظروف كما عاشتها الأفواج الحركية الأولى في طفولتها وحداثتها.
في ظروف تاريخية قاسية، كانت الأرثوذكسية في بلدنا تعاني فيها من جوّ الاستبداد الخانق الذي نشرته الامبراطورية العثمانية ومن الهجمات التبشيرية الغربية المدعومة من الدول الأجنبية في آن واحد، وبنوع خاص بعد انحسار المدّ الروحي الذي كان يأتينا من الكنيسة الروسية، إثر نشوب الحرب العالمية الأولى، وتفشي الانقسامات في صفوف الكنيسة الانطاكية بتشجيع من الانتداب الفرنسي، في هذا الجو من التضعضع والمحن، انطوت كنيستنا على طقوسها تتشبث بها للمحافظة على هويتها وتأمين استمرارية ايمانها. ولكن انعدام الفكر الروحي الخلاّق جعل هذه الطقوس تفقد الكثير من معانيها الحية والمحيية. فتتجمد وتتحجر. وعوض أن تكون ثوب المسيح البهيّ تتسربل به عروسه فرحة وجذلة ("أنتم الذين بالمسيح اعتمدتم المسيح قد لبستم")، اذا بها تتحوّل الى نوع من الكَفَن الفخم تحفظ فيه وديعة الايمان محنَّطة، جامدة، لا تخاطب الروح ولا تحوّل الكيان. كانت القطع الطقسية الرائعة تُتلى في الخِدَم الكنسية أو ترتَّل بألحان أخّاذة وسط تصاعد البخور وتألق الشموع المضاءة أمام الأيقونات البهيّة، ولكن ذلك كله كان يبدو وكأنه مشهد خارجي، مسرحية رائعة تهزّ المشاعر وتدخل الى القلب خدراً لذيذاً، دون أن تتحدى الوجود وتحمل الى انقلاب جذري في المواقف. كان الانجيل يتلى بصوت رخيم، يوحي بالخشوع،ولكن أحداً لم يكن يترجم كلماته الى الناس بشارة مصوغة بلغتهم المألوفة تنقل المسيح اليهم وتجعله معاصراً لآلامهم ومشاكلهم وآمالهم وتطلعاتهم وتجاربهم وتساؤلاتهم الآنية، فيتقبلونه حياً في قلبهم الحيّ وبه يحيون لله وللآخرين. كان يطاف بالانجيل والناس ينحنون عند مروره مرفوعاً من الكاهن. ولكن الطاقة الهائلة التي يحملها الانجيل، طاقة الله نفسه، تلك الطاقة القادرة، لو أطلقت، على تحويل البشر، أفراداً وجماعات، كانت تبقى وكأنها سجينة تلك الصفائح الفضية أو الذهبيةالمرصعة بالحجارة الكريمة التي غُلّف بها كتاب الانجيل وأغلق عليه ضمنها. كان المؤمنون يتوافدون لتقبيل الصليب وأخذ بركة من الزهور المنثورة عليه (ليل) الخميس العظيم أو في عيد الصليب أو في أحد الزهور، ولكن أحداً لم يكن ينبهّهم الى ان الاكرام الأساسي يكون برسمه في صميم الكيان كي تتفجر في النفس طاقة الحب والتحرير النابعة منه. كانت الكأس تعرض في كل قداس والكاهن يعلن من الباب الملوكي:"بخوف الله وايمان ومحبة تقدموا"، ولكن أحداً لم يكن يتقدم (إلا في بعض "المواسم" النادرة، وحتى في تلك المناسبات كانوا يأتون الى المناولة بعد اختتام القداس)، وكأن الكأس وما تحويه من جسد ودم إلهيين مقدَّمين لحياة البشر وخلاصهم، كأن تلك الكأس تُعرض ليحني لها الناس رؤوسهم من بعيد وحسب، دون أن يتعاطوها، وكأن كلمات الكاهن عبارات مسرحية لا يجوز أخذها على محمل الجدّ.
هكذا كانت الطقوس قد تقلّصت معانيها وتحوّلت الى حدّ بعيد الى مظاهر فولكلورية تدغدغ المشاعر بترتيبها وجمالها وتوحي بعواطف التخشّع، ولكنها على هامش الوجود الواقعيّ، لا تتحداه ولا تلهمه ولا تعيد النظر في مسلّماته وعوائده. صحيح أن النعمة الالهية كانت فاعلة وسط تلك الهزالة والجمود، وكانت النفوس المستقيمة تستجيب لها فتثمر للملكوت، ولكن كم من حواجز وسدود كانت تنتصب أمام تيار "الحياة المحيية"، كم من كنوز كانت تبقى محجوبة عن الأنظار، كم من طاقات كانت تُطمر وتُهدر والناس بأمسّ الحاجة الى فعلها الخلاصيّ!
ذلك الفولكلور الطقسي، كان الأرثوذكس يفاخرون به الآخرين ويتباهون بجماله أمام الجماعات الأخرى. كان، بالتالي، يدعم ويغذي شعورهم الفئوي. فالأرثوذكسية التي عرفناها في طفولتنا وحداثتنا كانت جماعة يعاب عليها، كسائر الجماعات اللبنانية الأخرى، الطابع الطائفي، القبلي، أي أنها كانت جماعة يطغى فيها الاهتمام بكيانها الاجتماعي وتأكيده ونفوذه على هاجس الرسالة الروحية التي من أجلها وجدت في الأساس والتي تحتّم عليها تخطي ذاتها ومصالحها باتّجاه الله والآخرين.
دعوة الحركة الأساسية
في هذه الصحراء الروحية، ارتفعت مدوّية دعوة الحركة، دعوة العودة الى الأصالة، الى الينابيع، "الى انجيل المسيح ومسيح الانجيل". نادت الحركة بضرورة "تنصير النصارى" ومن أجل ذلك شاءت أن تكون هي طليعة ذلك التنصير، أن تكوّن "فئة متنصرة فعلاً لا شكلاً"، أن تحيا من المسيح عوض أن تتخذه شعاراً، أن تكتشفه في الكنيسة حياً ومحيياً. هذا كان ينبغي التركيز عليه بادىء ذي بدء وترسيخه في النفوس، لأنه منطلق كل شيء.
البعد الاجتماعي لهذه الدعوة
ولكن اكتشاف المسيح حياً ومحيياً يقتضي بالضرورة اكتشافه محرراً للانسان، أفراداً وجماعات، ومحرراً له لا بعد الموت وحسب، بل منذ الآن، لأن ابن الله تجسّد ليحضن الأرض ويجلّيها، زارعاً فيها ملكوت الله لكي يحولها شيئاً فشيئاً الى اليوم الذي يصبح الله (فيه) "الكل في الكلّ". من هنا وعت الحركة منذ البدء أن لها رسالة اجتماعية وقد عبرت عن ذلك في المبدأ الرابع من مبادئها الأساسية: "تعالج الحركة القضايا الاجتماعية المتعلقة بالمبادىء المسيحية العامة".
نموّ هذا البعد في تاريخ الحركة
الا أن هذا البعد الاجتماعي كان لا بد له أن يتوضح وينمو تدريجياً وفقاً لنمو الحركة العام من جهة، ولوقع الأحداث التي تعيشها البيئة من جهة أخرى. فالرب يخاطبنا من خلال كلمته اولاً، كلما ترسّخنا فيها بدت لنا منها معان جديدة، ومن خلال أحداث العالم والتاريخ من جهة أخرى. ولذا نرى الحركة، على قدر أمانتها لربها وفهمها لندائه الموجّه اليها من خلال الأحداث، وبالرغم من الأخطاء والخطايا والتقصير الملازمة لوضعها الترابيّ، نرى الحركة إذاً تتقدم في وعيها لمسؤوليتها على الصعيد الاجتماعي وتترجم هذا الوعي بمواقف تزداد أكثر فأكثر وضوحاً وشمولاً.
· من أولى تلك المواقف، كان موقف نبذ الطائفية. يمكن القول إن مجرد ولادة الحركة كان زعزعة للعقلية الطائفية. فالناس كانوا يعتقدون أنهم أرثوذكس بالطبيعة، بالفطرة. لأنهم هكذا ولدوا وهكذا سُجلوا في دوائر النفوس وهكذا كانوا أباً عن جدّ. وكانوا يتبجحون عندما كان يأتي شبان في مقتبل العمر ويدعونهم الى تبني أرثوذكسيتهم بالفعل، ولسان حالهم يقول "أو لسنا أرثوذكس؟". كانت الحركة تطلب منهم الانتقال من طور الانتماء الوراثي، الاجتماعي، الى طور الاختيار الواعي، الشخصي، المسؤول، من الطائفية الى التديّن، وكانوا يستغربون ذلك ولربما استسخفوه، كانوا ينتظرون منا أن نحدثهم عن مجد الطائفة وعزة "الملة"، ويرغبون أن نبين لهم كيف السبيل الى إعلاء ذلك المجد وتوطيد تلك العزّة، واذا بالحركة تقول لهم إن المهم ليست الملّة بل الرسالة التي وجدت الملّة من أجلها والتي تتخطى الملّة وتعطيها معنى وجودها في آن. كانوا ينتظرون من الحركة أن تغذي العصبية الطائفية، واذا بالحركة تقول إن الطائفة (إنما) وجدت لتحمل للعالمين محبة تتجاوز كل الحدود العشائرية لأنها محبة الله نفسه المزروعة بالمسيح في قلوب المؤمنين. هذا ما سجلّته الحركة في مبدئها الخامس: "تستنكر الحركة التعصب الطائفي ...".
انطلاقاً من هذه المواقف، كان لا بدّ للحركة أن تتصدى للطائفية السياسية كما وردت في النظام اللبناني. ذلك أن هذا النظام الطائفي، من جهة يضخّم الوجه الاجتماعي للطائفة على حساب رسالتها الروحية إذ يجعل من الانتماء الديني وراثة لا اختياراً، ومن جهة ثانية، يغذّي العصبية القبلية في الطائفة، مقيماً اياها في وجه الطوائف الأخرى منافسة لها على المغانم والنفوذ، محولاّ اياها عن طريق الخدمة والانفتاح. لذا فقد ورد نبذ الطائفية السياسية في الفكر الحركي نتيجة منطقية لنبذ الذهنية الطائفية. حتى انني أذكر أنه، في مطلع الخمسينات، اقترح الأب اغناطيوس هزيم – وقد كان من قادة الحركة حينذاك – أن تعاد صياغة المبدأ الخامس علىالوجه التالي: "تستنكر الحركة التعصّب الديني والطائفية السياسية". ومع أن الحركة حافظت على الصيغة الأولى، التي هي (بنظري) أكثر شمولاً، إلا أن فكرها عند ذاك كان يؤيد هذا التوضيح. وقد تجلى هذا الفكر في مواقف عملية وقفها أعضاء حركيون بارزون. ففي مطلع الخمسينات أيضاً قام المحامون في بيروت وطرابلس باضراب طويل لم تستجب له الدولة، مطالبين بعلمنة الأحوال الشخصية. وقد كان للأخ المحامي ألبير لحام، وهو من مؤسسي الحركة وأمين عام سابق لها، مواقف بارزة في هذا الاضراب، شهدت بها الصحف.
ثم كانت حوادث 1958، وما أظهرته في الكيان اللبناني من ثغرات مخيفة أكدّتها الدراسة التي قامت بها بعثة ايرفد العالمية، بقيادة الأب لوبريه، حول الأوضاع الاجتماعية في لبنان، والتقرير الشهير الذي صدر عن البعثة في مطلع الستينات، والذي كشف، بصورة علمية، التفاوت الفاضح في الدخل بين الفئات والمناطق اللبنانية، وأنذر بسلسلة من الانفجارات الاجتماعية (وقد شهدناها فعلاً) اذا لم تُتخذ تدابير جذرية بغية توزيع أعدل للدخل القومي ووسائل الانماء. مع هذه المعطيات الجديدة تفاعل الفكر الحركي وأخذ البعد الاجتماعي يتبلور فيه بشكل أكثر فأكثر قوة ووضوحاً. فمنذ سنة 1962 بدأ الأب جورج خضر (وكان عند ذاك أميناً عاماً للحركة) يكتب في جريدة "لسان الحال" مقالاته الأسبوعية في زاوية "حديث الأحد" تحت اسم وائل الراوي (وقد جمع بعضها في كتاب أصدرته منشورات النور سنة 1970). وقد كانت بعض هذه المقالات تتصدى لما فسد من الأوضاع الاجتماعية اللبنانية بنبرة نبوية ضايق الصدى الواسع الذي لاقته بعض المستفيدين من هذه الأوضاع. وفي مجلة "النور"، عام 1963 (وقد كانت تصدر عند ذاك مرتين كل شهر)، نشرت دراستان مهمتان للكاتب نفسه أوضحتا البعد الاجتماعي التحرّري في الكتاب المقدس وفي فكر الآباء، وهما "الغنى والفقر في الكتاب المقدس"، "الغنى والفقر عند الآباء". وفي العام عينه نشرت "النور" العظة السادسة لباسيليوس الكبير "ضد الغنى"، وفيها فكر اجتماعي بالغ الجرأة يتحدى المظالم في عصرنا كما تحداها في العصر الذي ظهر فيه.
وفي عام 1964، نشرت "النور" (وكانت لا تزال تصدر مرتين في الشهر) كأفتتاحية لأحد أعدادها، كلمة لرئيس مركز طرابلس ألقيت في احتفال شعبي بعيد العمل أقيم في أول أيار من العام عينه في بيت الحركة في الميناء، وفيها تأكيد مسيحي لكرامة العمال وحقوق الفقراء.
وفي العام 1965 نقل الأب جورج خضر الى جمهور متعدد الطوائف الفكر الاجتماعي الكتابي والآبائي الذي كان قد عبّر عنه على صفحات "النور"، فكانت محاضرته في "الندوة اللبنانية" بعنوان: "المسيحية والقضايا الاقتصادية والاجتماعية".
في صيف العام عينه، أقيمت في دير بكفتين حلقة تدريبية للطلاب الحركيين من مختلف المراكز اللبنانية والسورية، وقد ألقيتُ فيها دراسة عن المسيحية والماركسية (كانت بدروها توسيعاً لمقال صدر (لي) سنة 1962 في الملحق الأدبي لجريدة "الأوريان" رداً على أحد الماركسيين). في هذه الدراسة تبنّيتُ كل ما وجدته محقاً في النقد الماركسي للمسيحية التاريخية وحاولت أن أعود، على ضوء هذا النقد، الى ينابيع المسيحية وأستمدّ منها الرؤيا التحررية الانجيلية الأصيلة للقضايا الاجتماعية. وقد شكلت هذه الدراسة نواة الكتاب الذي صدر (لي) سنة 1968 عن منشورات النور بعنوان "اله الالحاد المعاصر" وكانت له أصداء واسعة خارج الأوساط الحركية والأرثوذكسية.
وفي سنة 1966، دعت "الندوة اللبنانية" عدة مفكرين الى طرح موقف الأديان المختلفة من قضية العدالة. فكانت محاضرة الأخ الأستاذ ألبير لحام عن "العدالة السياسية في المسيحية" وجرت في نفس الخطّ التحرري الذي نحن بصدده.
وقد شكل العام 1967 مرحلة بالغة الأهمية في تطور الفكر الاجتماعي الحركي، إذ أثارت "نكسة" حزيران 1967 تعبئة نفسية عارمة (لدى) فئات واسعة من الشباب اللبناني وأصبحت المقاومة الفلسطينية (التي كانت قد تبلورت منذ 1965) محطّ آمالهم في التحرّر واستعادة الكرامة، واستقطبت القضية الفلسطينية اهتماماتهم وأصبحت محور تطلعاتهم التحررية. تلك القضية كانت موضوع العديد من مقالات وائل الراوي في "حديث الأحد"، وقد اتخذ منها، على عادته، موقفاً نبوياً جريئاً، انجيلياً في جذريته، يبدو للقارىء اذا طالع كتاب "فلسطين المستعادة" الصادر عن منشورات النور والذي جمعت فيه هذه المقالات. وقد ساهمت عدة شخصيات حركية، ومنها المطران جورج خضر والمطران اغناطيوس هزيم والأستاذ ألبير لحام والأستاذ كابي حبيب، في حمل القضية الفلسطينية الى المحافل الدولية واتخذت مجلس الكنائس العالمي، مثلاً، منبراً للدفاع عن شرعيتها ضد التضليل الصهيوني... ولكن الأمر الجديد، في الحقبة التي نحن بصددها، (هو) ان التحرك الاجتماعي الحركي لم يعد يقتصر على القيادة وحسب، انما تجاوزها الى القاعدة الحركية، لا بل أصبحت القاعدة تلعب فيه دوراً هاماً، فيه المبادرة والتوجيه، هذا ما تجلّى بشكل خاص في صفوف الطلاب الحركيين – والجامعيين منهم بشكل أخصّ – في بيروت وطرابلس. وكان لا بدّ لهذا التحرك أن يتجلى في المؤسسة الحركية عينها. ففي طرابلس مثلاً، تكوّنت سنة 1967 "فرقة البحوث الاجتماعية" وكانت مهمتها دراسة القضايا السياسية والاجتماعية بصورة علمية واتخاذ موقف منها يستلهم الانجيل. وبدأت فكرة التزام شؤون الأرض تحتل مركزاً رئيسياً بين الهواجس الحركية، وقد عبّرت عن ذلك مقالات في "النور" صدرت سنة 1968، ومنها لنديم حيدر "الايمان دافع الى التزام الأرض" (عدد نيسان 1968)، وللأرشمندريت جورج خضر، "القيامة لمن يقضي بالعدل ويجعل بالأرض انصافاً" (العدد عينه).
وقد تبلور هذا الاتجاه الجديد في حلقة اعداد المسؤولين التي عقدت في إهدن سنة 1968، وقد التقى فيها، مع قادة الحركة، عدد كبير من الشباب الواردين من مختلف المراكز الحركية في سوريا ولبنان، فتباحثوا بحرية وصراحة في قضايا اجتماعية كانوا قد اختاروها بأنفسهم وأعدّوا لها دراسات في مراكزهم، ومنها (عن) الطائفية، والعلاقة بالمسلمين، والقضية الفلسطينية. وكان لا بد من تحديد المبادىء التي ينبغي الانطلاق منها لبحث كل تلك المواضيع من زاوية الفكر الحركي المبني على الانجيل، وقد خصصت لجنة من لجان الحلقة لدراسة هذا الموضوع وتوصلّت، نتيجة لمناقشاتها، الى وضع تقرير بعنوان "الحركيّ والتزام شؤون الأرض، التساؤلات المبدئية حول الالتزام السياسي والثورة الاجتماعية". وقد ووفق على هذا التقرير في الجمعية العامة التي عقدتها الحلقة وأصبح يشكل مرحلة هامّة في تطور الفكر الاجتماعي الحركي.
ذلك الفكر الذي كانت حلقة إهدن مناسبة لبلورته، كان له امتدادات وتفاعلات عديدة في المركزين الحركيين اللبنانيين (بيروت وطرابلس)، ومنها مثلاً الندوة التي أقامها مركز طرابلس في اجتماع عام لاعضائه عقد في 25 أيار 1969، وقد دارت حول تقرير إهدن المذكور أعلاه، فعرضت خلاصة ما توصلت اليه الفرق الحركية من خلال دراستها لهذا التقرير، ودارت مناقشة عامة اشترك فيها الأب جورج خضر وغيره وأدّت الى توضيح الفكر الاجتماعي الحركيّ.
ولكن كان لا بدّ لهذا المخاض الدائر في القاعدة الحركية أن ينعكس على قمة المؤسسة، ألا وهي المؤتمر الحركي الذي يشرّع للحركة كلها ويرسم سياستها العامة على كافة الأصعدة. فكان المؤتمر الثاني عشر الذي عقد في المعهد اللاهوتي في البلمند من 26 الى 29 كانون الأول 1970، وكانت وثيقة التزام شؤون الأرض.
وثيقة التزام شؤون الأرض
لقد تبنى المؤتمر، بعد مناقشات عسيرة، جوهر التقرير المبدئي الذي كانت قد أصدرته حلقة إهدن معتبراً أن فحواه إنما هي متجذّرة "في الرسالة الحركية"، لا بل "في أساس المسيحية، في التجسد". وقد أقر المؤتمر بهذا الصدد وثيقة عنوانها "في التزام شؤون الأرض" ورد في حيثياتها ما يلي:
"لا يغيب عن البال أن حركة الشبيبة الأرثوذكسية إذ تعمل على النهضة في وسط الجماعة الأرثوذكسية وتحويلها الى جماعة متنصرة فعلاً تعيش حياتها الاجتماعية بمقتضى إنجيل يسوع، تعتبر أن عملها هذا بحدّ عينه هو التزام القضايا الاجتماعية أيضاً.
"ملكوت الله غير مملكة قيصر بمعنى أنه يتميز عن كل نظام أرضي مهما سما وأياً كان (...) ولكن هذا لا يعني أن ثمة فصلاً بين المملكتين إذ أن للانجيل مقتضيات على الصعيد الاجتماعي اذا لم يعشها المسيحي لا دخول له الى ملكوت الله."
وأكدت الوثيقة أن الحركة، اذا التزمت قضايا الانسان، قضايا الوطن، قضايا العالم، فانـها "إنما تترجم المحبة في الأوضاع الراهنة"، تلك المحبة التي هي ألف وياء المسيحية، والتي ندرك اليوم أنها تكون مبتورة اذا عيشت في العلاقات الفردية وحسب ولم تتعدَها الى اشاعة الحرية والعدل في التركيب الاجتماعي عينه، ذلك التركيب الذي ينظّم علاقات البشر في ما بينهم فيفرز انصافاً أو ظلماً، حرية أو عبودية.
وأوضحت الوثيقة "أن الله هو دافعنا الى الاهتمام بشؤون الأرض، إذ نريد أن ننقله الى العالم لنجعله يتجلّى بالعدل والحرية والسلام".
انطلاقاً من هذه المبادىء، حددت الوثيقة الموقف الحركي الواجب اتخاذه من ثلاث قضايا سياسية، ذكرت من باب التمثيل لا من باب الحصر، الا وهي القضية الفلسطينية، التغيير الاجتماعي، الطائفية.
فبصدد القضية الأولى، مما نصت الوثيقة:
"تقول الحركة إن الصهيونية ضد مبادىء الانجيل وإن دولة اسرائيل ضد العدل والسلام وإن ثمة ظلماً يجب أن يُزال لتبقى للانسان كرامته في فلسطين مهما كان انتماؤه الديني والعرقي."
وبصدد القضية الثانية، فممّا قالته:
"تقول الحركة يجب أن نسعى كي لا يبقى مظلوم وظالم في المجتمع وإن المحبة المسيحية تلزمنا اليوم بالعمل على تغيير البنى الاجتماعية التي تكرّس الظلم وإن المظلومين هم أحق الناس بالاهتمام وإن كرامتهم هي كرامة المسيح بالذات".
ومما أعلنته بصدد القضية الثالثة:
"تقول الحركة وتعلّم إن الطائفية السياسية ضد النظرة المسيحية للانسان وضد المسيحية ككلّ وإن "الدولة المسيحية" (أي المفهوم المسيحي للدولة)، اذا جازت التسمية، هي الدولة العلمانية"
تلك الوثيقة قدمّها الأخ شفيق حيدر، وكان رئيس مركز طرابلس حينذاك، للجمهور المحتشد في الحفلة الخطابية التي أقامتها الحركة بمناسبة عيدها، في 4 نيسان 1971، قائلاً:
" هذه هي سياسة الحركة، إنها سياسة انجيلية. اذا لم يحمل الانجيل أناس ويجعلوه في الراهن فالمسيحية بعيدة عن المجتمع. أنا المسيحي لا أفهم كيف أترك الملحد يدعو الى العدالة والمساواة والسلام قبلي وإلهي هو إله المحبة والعدالة والمساواة والسلام، أنا المسيحي لا أفهم كيف أترك غيري يسبقني جاهداً لتحقيق مبادىء الانجيل. همّي أن أجعل الله الكلّ في الكلّ، أن أعبر عن مشيئته وحده ولو قامت قيامة الناس عليّ، ربي الذي أعبد علّمني أنه "لم يأتِ ليلقي سلاماً على الأرض بل سيفاً" جاء ليقضَّ مضجع الشر واستكانته، ليعلنها حرباً على الشرّ في الأشرار لأنه يحبّهم. حرباً على الظلم في الظالمين لأنه يحبهم. كيف أستقيل أنا المسيحي من مسؤولية كهذه خوفاً من ألسنة تلوكني. اذا استقلت غاب المسيح عن وضعي الراهن".
(راجع "النور"، العدد 3، نيسان 1971، ص 99).
ما بعد الوثيقة: الخيبة الكبرى
تلك الوثيقة، كان يفترض بها أن تشكل نقطة تحوّل في الممارسة الحركية، فتؤدي الى التزام أكثر شمولاً وصميمية للشؤون السياسية والاجتماعية ينبع من تجذّر في الانجيل وتشبّع من مقتضياته على الصعيد الاجتماعي. ولكن الواقع يضطرني أن أعترف، بغصّة، أن هذا الأمل لم يتحقق. إن ما جرى بعد صدور الوثيقة ليعتبر خيبة كبرى لمن كان ينتظر منها أن تكون فرصة لتجدّد الحركة ولاءها للسيد بتعهّدها آمال الناس وآلامهم في خطّ الرجاء العظيم الذي رسمه المحرّر الأكبر بدمه وقيامته. وسأحاول في ما يلي أن أقوم بتحليل، ولو جزئي، لأسباب هذه الخيبة.
لقد كان يُفرض بالحركيين أن يجتمعوا حول ايجابيات هذه الوثيقة، متخذين هذه الايجابيات قاسماً مشتركاً يلتقون حوله وحدّاً أدنى ينطلقون منه ويحاسبون ذواتهم وبعضهم بعضاً على مدى تطبيقه الفعلي في سلوكهم ويحاولون أن يتخطّوه معاً بالتفكير والممارسة وتبادل الآراء والاختبارات. إلا أنهم، عوض أن يجتمعوا حول ايجابيات الوثيقة، انقسموا حول سلبياتها، وطغى هذا الانقسام، لسوء الحظ، على إرادة اللقاء والحوار والتفاهم البنّاء. لقد كانت في الوثيقة ثغرات، ولا شك، وذلك يفسَّر، من ناحية، بكونها خبرة رائدة في تاريخ الحركة، ولكل خبرة رائدة نواقصها وعثراتها، ومن ناحية أخرى، بكون الوثيقة أتت نتيجة تسوية بين تيارين، أحدهما "مجدّد" والثاني "محافظ"، تصادما في المؤتمر الثاني عشر كما تصادما قبل ذلك في حلقة إهدن.
الفجوة الكبرى التي كانت تشكومنها الوثيقة كانت، ولا شك، عدم تعرّضها كفاية لموضوع مواقف جماعية تقفها الحركة على الصعيد السياسي وتعلن عنها. فقد أكدت الوثيقة تأكيداً إحادي الجانب على التزام الأفراد الحركيين. ولكنها لم تُشر صراحة الى ضرورة اتخاذ الحركة ككل مواقف نبوية معلَنة ازاء المفاسد والمظالم. هذه الثغرة كانت تحتّمها على الأخص تحفظات بعض المراكز، وهي تحفظات تُفهم (...). اذا عدنا الى الجو السياسي الخاص الذي تعيش تلك المراكز في كنفه. لكن الحركيين، للأسف، ركزوا عليها اهتمامهم، مما أدّى الى احتدام الخلاف حولها وبالتالي الى تعطيل الوثيقة برمتها وتجميدها.
ذلك أن قسماً من الحركيين، وأكثرهم من الطلاب الجامعيين، كانوا قد بلغوا، على ضوء تحليلهم للأوضاع، الى قناعات سياسية قريبة من مبادىء هذا أو ذاك من الأحزاب اليسارية، أو من نظرة هذه أو تلك من فصائل المقاومة. وقد وجدوا، مخلصين، في خط تلك القناعات، أفضل تعبير عن التزامهم المسيحي للقضايا الاجتماعية. هؤلاء رغبوا أن تتبنى الحركة ككل هذا أو ذاك من مواقفهم لاقتناعهم بصحته ولاعتقادهم أن دعم الحركة له كمؤسسة يكون له وقع شهادة أقوى وأفعل. ولكن قسماً آخر من الحركيين كان يتخوف من المزالق التي قد تنزلق اليها الحركة اذا سارت في هذه الطريق، فيخشون عليها أن تفقد هويتها فيغيب فيها الهاجس الروحي وتتحول تدريجياً الى حزب يتبنى تحليلاً للأوضاع وبرنامجاً سياسياً تفصيلياً متكاملاً، حزب يحمل (الى ذلك) بطاقة طائفية معينة مما يعيدنا الى الخلط بين ملكوت الله وملكوت قيصر والى الطائفية السياسية التي نشكو منها على الصعيد الوطني والايماني، وقد حذّرت الوثيقة من انحراف كهذا.
لقد كان موضوع الخلاف اذًا دقيقاً وبالغ الأهمية، وكان لا مناص من مواجهته مواجهة رصينة تتحاشى الانفعال وتعتمد العقل والايمان. وكان بالامكان اتخاذ الوثيقة منطلقًا وقاعدة للحوار. فبالاستناد اليها كان يمكن لـ "المحافظين" أن يشدّدوا على أهمية الطابع الروحي الذي لا بد وأن يتميز به الالتزام السياسي الحركيّ اذا شاء أن يحافظ على فرادته. وبالاستناد اليها كان يمكن لـ "المجددين" أن يطالبوا بأن تؤدي الحركة كمؤسسة (على الأقل على الصعيد اللبناني) شهادة علنية على الأقل (بصدد) المواقف العامة التي تبنتها في الوثيقة، وأن تعلن أمام الملَأ، بواسطة وسائل الاعلام، على الأقلّ عما ورد في هذه الوثيقة حول القضية الفلسطينية والتغيير الاجتماعي وعلمنة الدولة، كما كان بوسعهم أن يدفعوا، إنطلاقاً من هذا الحدّ الأدنى، الى اتخاذ مواقف حركية جماعية معلنة من قضايا تنطبق عليها، بشكل صريح لا يحتمل الاشكال، مبادىء الوثيقة، كقضية الاحتكار مثلا".
ولكن الأمور، (للأسف)، لم تَجرِ على هذا المنوال. فـ "المجددون" و"المحافظون"، (على حد سوى)، ساروا كل (فريق) في طريقه، وتباعدوا مهملين الوثيقة التي كان بوسعها أن تجمعهم. فالأولون، وقد غلب عليهم فراغ الصبر، أهملوا الوثيقة لعدم كفايتها، أما الآخرون، وقد طغى عليهم الخوف، فقد أحجموا عنها خشيةً مما قد ينتج عنها من تغييرات في الممارسة الحركية كانت تبدو لهم مغامرات لم يكونوا مستعدين لخوضها. نسي الأولون أن مستوى الوعي الاجتماعي ليس واحداً في الحركة، وأن الوثيقة لا يمكن تطويرها الا انطلاقاً منها، وتخطيها إلا مروراً بها. ونسي الآخرون أن جذوة الروح تنطفىء اذا حُبس عليها في قوقعة التقليد الرتيب الخانق، وأن السراج لم يوجد ليوضع تحت المكيال.
هكذا أصبحت الوثيقة المنسيّة الكبرى، فدفنت في الملفات وصنفت بين المستندات المكتبية، وكأنها لم تكن تحمل رسالة حية ومحيية هي حصيلة التراث الحركيّ كله، تتجذر فيه وتمدّه وتجسّده في مرحلة حساسة من مراحل تطور الحركة وتاريخ البلاد. أما نتائج هذا الاهمال فكانت خطيرة. فمن جهة إحتدم الصراع بين الفئتين الحركيتين المذكورتين واتسع الشق بينهما حتى أدى ذلك الى تصدّع مركز بيروت الحبيب، ذلك المركز الذي كان يغلي بالمبادرات الخلاّقة والآمال العظام، المركز الذي قدّم للمسيح الطبيب نديم طرزي وأستاذ الهندسة ميشال كيرياكوس. وأتساءل بلوعة، من الذي استفاد من هذا التصدع؟ فبالتأكيد لم تستفد منه لا الحركة ولا الكنيسة، لا الوطن ولا القضية الفلسطينية، لا قضية الله ولا قضية الانسان (اللتين هما على كلّ حال قضيةواحدة). ومن جهة أخرى أدى إهمال وثيقة التزام شؤون الأرض الى "تحييد" الحركة سياسياً في مرحلة بالغة الدقة من تاريخ هذا الوطن، وكلنا يعلم أن لا حياد الا بالوهم، لأن من اتخذ موقفاً "حيادياً" من الأوضاع الفاسدة كان بالفعل متواطئاً معها، مسانداً لها، (شاء أم أبى)، وقد علّمنا المسيح ان من ليس معه فهو عليه، وأننا سوف نُسأل في يوم الدين ليس فقط عما فعلناه بل أيضاً عما لم نفعله.
والآن؟
إن هذا الاستعراض لِآمال الماضي وخيباته، لتجلياته وخطاياه، لانجازاته وعثراته، انما كان القصد الأساسي منه، كما ألمحت في بدء هذا الحديث، رسم تطلعات مستقبلية، تلك التطلعات (يترتب عليكم)، أنتم، أن ترسموها، أيها الأخوة، مستلهمين لذلك علاقتكم الحية بربكم الحيّ وحواركم الأخوي بعضكم مع بعض، ولكن اسمحوا لي أن أقول لكم كيف أرى أنا الأمور.
أرى أن ننفض عن وثيقة التزام شؤون الأرض غبار الاهمال والنسيان، وأن نحييها دستوراً ملزماً لمواقفنا الاجتماعية والسياسية كأفراد حركيين وكجماعة حركية، وأن نحث بعضنا بعضاً على ترجمتها الى أفعال، وأن نحاسب بعضنا بعضاً، بصدق المحبة، على مدى تنفيذنا لها، منفردين ومجتمعين. أرى أن تكون القاسم المشترك بينناعلى اختلاف قناعاتنا السياسية وتفاوت مدى التزامنا الاجتماعي، فتكون لمن بقي متردداً على حافّة هذا الالتزام، حافزاً ليقدم عليه وينمو فيه، وتكون لمن توغل في الالتزام تذكيراً دائماً بالعودة الى الينابيع الروحية لالتزامه. أرى أن تدخل الوثيقة في صلب برامج الفرق الحركية وأن تلهم باستمرار التخطيط الحركيّ الذي ترسمه مجالس المراكز والفروع.
أرى أن تعمد الأمانة العامة الى نشر المواقف التي تضمنتها الوثيقة عبر وسائل الاعلام اللبنانية على أنها دستور تلتزم به الحركة ككّل وتعمل بوحي منه، فيكون هذا الاعلان شهادة مسيحية صارخة على المفاسد التي لا تتورع عن اتخاذ المسيحية تغطية لها. وارى أن يترك لكل مركز أو فرع حق اتخاذ موقف سياسي عام موحَّد نابع مباشرة من المبادىء العامة التي رسمتها الوثيقة، والاعلان عنه دون الاضطرار الى الرجوع الى الأمانة العامة ودون أن يعتبر موقفه هذا ملزمًا للحركة ككل. هذا ما قد حصل شيء منه عندما ألقى رئيس مركز طرابلس، الأخ جورج نحاس، خطابه الشهير في عيد الحركة عام 1974 أو عندما قام فرع الميناء، في خضم الأحداث، بحملة توعية شعبية ضد الطائفية كروحية ونظام وضد الامتيازات الطائفية، وعندما ساهم هذا الفرع في أعمال اللجنة الوطنية المنبثقة عن النوادي والجمعيات وشارك في تنظيم مسيرتها الشعبية ضد الاقتتال الطائفي والتقسيم.
الخلاصة
أيها الأخوة،
لقد كانت حوادث 1958 ثم حوادث سنة 1967 مرحلتين هامتين في بلورة الفكر الاجتماعي الانجيلي في الحركة ودفعه الى الأمام. فكيف، يا ترى، يكون وقع الفاجعة التي حلت ببلدنا منذ سنة (ونيف) ولم تنته بعد؟
قال الرب مخاطباً الجموع: "متى رأيتم سحابة تطلع في المغرب، قلتم في الحال: جاء المطر. ويكون كذلك. واذا هبت ريح الجنوب، قلتم: سيكون حرّ، ويكون كذلك. أيها المراؤون، أنكم تعرفون أن تتأوّلوا وجه الأرض والسماء؛ وهذا الزمان فكيف لا تفهمونه؟"
(لوقا 12: 54 – 66)
فهلاّ نميّز علامات الأزمنة؟ هلا سمعنا وفهمنا نداء المسيح الملحاح تنقله الينا الأحداث المأساوية التي تعيشها بلادنا الكئيبة؟
هل يدفعنا هول الفظائع التي ندر أن يكون لها مثيل وتقشعر لها الأبدان، الى مزيد من التقوقع والهروب في أخروية مزيفة نتنكّر فيها بالفعل للأرض وللآخرة معاً، أما أننا نفتح الآذان والقلوب لنسمع من خلالها صوت المسيح الكونيّ، صوت الاله الذي أخذ نهائياً في ذاته جراح الأرض ومخاضها الأليم؟ المسيح الذي يُخطف على الحواجز الطائفية ويُذبح على الهوية، ويُصفّى في المجازر الجماعية، ويُنكَّل به في أقبية التعذيب، المسيح الذي يمزق جسده رصاص الأسلحة الفتاكة وتبعثر أشلاءه القنابل والصواريخ، المسيح الذي تُقطّع أوصاله على مذبح الغرائز الهمجية المجنونة، المسيح المشرَّد المهجَّر، المسيح المفجوع القلب في الأرامل والثكالى والأيتام، المسيح المداس، المهان، المصلوب على ألف جلجلة. يقرع بقوة على أبواب قلوبنا وضمائرنا، منتظراً منا جواباً لا يحتمل التأجيل. فهل نستجيب لندائه؟ هل نتجند فعلاً، أفراداً وجماعة دُعوا باسمه، لإحقاق العدل والانصاف في الأرض، بغية إِبطال تلك المآسي الى الأبد وتمهيد طريق المحبة واستعجال ملكوت الله؟
طرابلس الميناء، 9 نيسان 1976.
3- الظروف التي برزت فيها وثيقة "التزام شؤون الأرض". عناصر من أجل تأريخ تطور الفكر الاجتماعي في حركة الشبيبة الأرثوذكسية (1992)
تقديم:
هذا الحديث ألقي القسم الأول منه في بيت حركة الشبيبة الأرثوذكسية في الميناء، مساء 10 أيلول 1992، أمام مجموعة من أسرة "العاملين"، وبطلب ودعوة إحدى فرق الأسرة، وهي فرقة القديس يوحنا الدمشقي.فكان له وقع طيّب على السامعين. وقد كان مخططاً أن يُلقى القسم الثاني بعد أسبوعين، وأن يعاد الحديث أمام أسرة الجامعيين. ولكن المرض الذي داهمني في 18 من الشهر نفسه حال دون تحقيق هذه المواعيد. لذا أتوخى، من خلال نشره، تعويض الثغرة التي حصلت وتعميم الفائدة.
في 03/11/2005
توطئة:
إن الذاكرة الحركيّة شرط لترسيخ الهوية وتوفير شروط الديمومة الخلاّقة .. فمن لا يعي تاريخه، كيف تكون له هوية؟ وكيف يكون له أفق؟
مقدمة:
أُقرت "وثيقة التزام شؤون الأرض" في المؤتمر الحركيّ الثاني عشر، المنعقد في البلمند في كانون الأول 1970. وسأحاول أن أبيّن كيف أنها أتت حصيلة التلاقي بين ثلاثة خطوط، خطّ السياسية العالمية والإقليمية، خطّ الالتزام المسيحي، عالمياً ومحلياً، خطّ المسار الحركيّ.
أولا": خطّ السياسة العالمية والإقليمية:
تميّز هذا الخطّ، في الحقبة التي برزت فيها "وثيقة التزام شؤون الأرض" بما يمكن تسميته بـ "المدّ التحرري العالميّ"، من جهة، وقد شغل هذا المدّ الفترة الممتدة بين 1960 و1975 على وجه التقريب، وبوضع تأزّم وغليان في المنطقة العربية، من جهة أخرى، تلا الهزيمة التي منيَ بها العرب في حرب حزيران 1967، وهو وضع برزت فيه القضية الفلسطينية كقضية محوريّة في المنطقة ووُضع فيه الكيان اللبناني أمام امتحان عسير.
I – المدّ التحرريّ العالميّ
يصعب علينا اليوم، ونحن نعيش انخسار الطموحات الإنسانية الكبرى التي غيّبها ضجيج الأصوليات المتشنّجة وصراع القوميات الضيقة والهجمة الشرسة التي تشنّها قوى المال العالمية المنضوية تحت لواء "الليبرالية الجديدة"، والتحالفات المقصودة أو الموضوعية بين هذه العناصر، يصعب علينا أن نتصوّر حجم الآمال الجسام التي كانت تهزّ الإنسانية قاطبة في الفترة المضطربة والواعدة التي نحن بصددها والتي إليكم بعض معالمها ذات الدلالة الخاصة:
1 – حرب فيتنام (1965 – 1975)
وما أثارته هذه الحرب:
أ – في العالم قاطبة، من أمل بتحرّر الشعوب المقهورة، أيقظه صمود شعب صغير وانتصاره في معركة طويلة ضد أعظم دولة في العالم.
ب – في الولايات المتحدة الأميركية نفسها، من يقظة وتمرّد لدى الشباب الذين ذاقوا، لأول مرة، بهذا الحجم، مرارة الحرب، وأدركوا أنهم كانوا وقوداً لمصالح شرسة لا تقيم وزناً لحياتهم وأحلامهم.
2 – تحرر عدة شعوب كانت مستعمرة
أ- الجزائر (اتفاقات Evian في 18/03/1962)
ب – أنغولا: تحررت في 14 تشرين الثاني 1975.
ج – الموزامبيق: تحررت في 25 حزيران 1975.
3 - الانتفاضات الشبابية في العالم الغربي
التي بلغت ذروتها في أيار 1968 في فرنسا والتي عبّرت عن اعتراض الشباب الجذري Contestation على المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي وحضارة العزلة والسأم واللامعنى التي يفرزها، اعتراض عبّر عنه مثلاً هذا الشعار الذي كتب على أحد جدران باريس:"نرفض عالماً تُستبدل فيه حتمية الموت جوعاً بخطر الموت سأماً."
4 – حركات النضال اللاعنفي
أ – في الولايات المتحدة، مارتن لوثر كينغ الذي بدأ نضاله من أجل الحقوق المدنيّة للسود سنة 1955، وتعاظم نضاله هذا في الستينات، وازداد جذرية بعد اندلاع حرب فيتنام. وقد اغتيل مارتن لوثر كينغ سنة 1968 فيما كان يستعد لقيادة مظاهرة للفقراء.
ب – ألبرت لوتولي، المناضل اللاعنفي ضد سياسة التفريق العنصري في أفريقيا الجنوبية، والذي نال جائزة نوبل للسلام سنة 1961. وقد كان لحوادث شاربفيل التي أطلقت فيها الشرطة النار على تظاهرة لاعنفية للسود فقتلت منهم 69 وجرحت الكثيرين، وكان من بين الضحايا العديد من النساء والأطفال، كان لهذه الحوادث صدىً عالميّ مدوٍّ، حتى أن الأعلام نكّست حداداً في السويد البعيدة.
ج – نضال قيصر شافيز في الولايات المتحدة: مقاطعة العنب من أجل انتزاع إعتراف الملاّكين بحقوق العمال الزراعيين الـ Chicanos في تأسيس نقابة لهم (1965 – 1971) وتضامن العمال عالمياً مع هذه المقاطعة عِبرَ رفض عمال المرافئ (في سان فرنسيسكو وإنكلترا وفنلندا والسويد والنروج) شحن أو تفريغ العنب الذي حاول الملاكون في كاليفورنيا تصديره إلى الخارج كسراً للطوق.
5 – تعاظم حركات الاحتجاج في المعسكر الاشتراكي
أ- انتفاضة "ربيع براغ" وقد طالبت، مع دوبتشيك، بـ "اشتراكية ذات وجه إنساني" (1968).
ب- ظاهرة الكتّاب السوفياتيين المنشقّين، وفضحهم لمخازي العهد الستاليني، وخاصة معسكرات الاعتقال، في ظل بوادر التحرّر التي ظهرت بعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي (1956):
· ألكسندر سولجنتسين
v بروزه في عهد خروتشيف بكتاب Une journée d’Ivan Denissovitch (1962)
v احتجاجه على الرقابة لدى اتحاد الكتّاب (1967) وطرده منه (1969).
v رواياته المنشورة في الخارج: "الدائرة الأولى" و"جناح السرطان" (1968).
v حصوله على جائزة نوبل في الأدب (1970).
v كتابه الموسوعي عن معسكرات الاعتقال L’Arehipel du Goulag، وقد صدر الجزء الأول منه في الخارج سنة 1974.
v طرده من الاتحاد السوفياتي سنة 1974.
· أفغينيا غوينـزبورغ
وشهادتها عن الاستبداد في العهد الستاليني Le Vertige (1967).
II – التأزم والغليان في المنطقة العربية وفي لبنان
1 – صدمة هزيمة حرب حزيران 1967.
2 – تعاظم المقاومة الفلسطينية، وما أيقظته هذه المقاومة من آمال جسام بعد الهزيمة. اعتراف الجمعية العمومية للأمم المتحدة، سنة 1974، بحقّ الفلسطينيين في تقرير المصير.
3 – الصدام في لبنان بين السلطة والمقاومة الفلسطينية، والانقسام في صفوف الشعب بين أنصار هذه المقاومة وخصومها، وقد اتخذ بعداً طائفياً. زاد من هذا التأزم نزوح عدد جديد من الفلسطينيين إلى لبنان بعد الصدامات الأردنية – الفلسطينية ("أيلول الأسود" 1970) والهجمات التي كان الإسرائيليون يشنّونها على لبنان على سبيل الثأر من الأعمال الفدائية: تدمير 13 طائرة في مطار بيروت (28 كانون الأول 1968) اغتيال قادة فلسطينيين في بيروت على يد كوماندوس إسرائيلي (9 و10 نيسان 1973). وقد عاش البلد من جراء ذلك حالة من عدم الاستقرار تخلّلتها أزمات وزارية وتظاهرات وصدامات (معارك بين الجيش والفدائيين في 12 أيار 1973) وتعمّق الانقسام الطائفي حول موضوع مدى مساندة لبنان للقضية الفلسطينية ومدى التزامه للقضية العربية.
4 – في هذه الأوضاع المضطربة تزايدت الانتفاضات الطلابية في لبنان ونادت بمطالب وطنية ("أخلقوا لبنان الحق") ومطالب طلابية (المشاركة)، وصارت الجامعة اللبنانية بوتقة ينصهر فيها الشباب من مختلف الطوائف في اتجاهات تحررية مشتركة.
5 – في أوائل السبعينات، أثارت "حكومة الشباب" التي ألّفها صائب سلام وما طرحته من خط "الثورة من فوق"، آمالاً بالإصلاح. وقد استقطب الوزير اميل بيطار تعاطفاً شعبياً واسعاً بحملته الجريئة ضد مستوردي الأدوية. ولكن الآمال أُجهضت والوزراء الذين مثلّوها (اميل بيطار، غسان تويني، هنري إدّه ...) أقيلوا أو اضطروا إلى الاستقالة.
6 – كشفت بعثة ألـ IRFED، في بداية الستينات، (بعد مسح طويل ودقيق)، التفاوت الصارخ في مستوى العيش في لبنان، بين الفئات والمناطق والطوائف، وأنذرت بانفجارات اجتماعية يُتوقّع حصولها في المدى القريب، إذا لم تتم إصلاحات جذرية تؤدي إلى نمو متكامل.
7 – كان مطلوباً من لبنان، دولة وشعباً، أن يرتفع إلى مستوى التحدي الذي شكلّته القضية الفلسطينية له، فينتقل من الحسابات الطائفية ومن ذهنية التجارة والخدمات، إلى خيارات مصيرية تقتضي إحلال المشاركة بين كافة أبنائه، والالتزام بقضايا المنطقة. في هذه الحال كانت توفّرت لديه مقومّات الصمود لا بل كان باستطاعته أن يكون، نظراً للطاقات البشرية الكبيرة المتوفرة لديه، منارةً ومحرّكاً للمنطقة كلّها. ولكنه فشل في هذا الامتحان العسير وتجاهل ما كانت بعثة إيرفد قد أنذرته به، فترك قوى التفكّك تتسرب إليه لتفتك بكيانه. ينبغي أن لا ننسى هذا المخاض الأليم إذا ما شئنا أن نفهم الإطار الذي نشأت فيه "وثيقة التزام شؤون الأرض".
ثانيا": خطّ الالتزام المسيحي عالمياً ومحلياً
شهدت الحقبة التي نحن بصددها (1960 – 1975) التزاماً متعاظماً من المسيحيين لشؤون الأرض، إن على الصعيد العالمي أو على الصعيد المحلّي اللبناني.
I – على الصعيد العالمي: التزام المسيحيين المتعاظم لشؤون الأرض
1 – المجمع الفاتيكاني الثاني
كان الحدث الأساسي على هذا الصعيد انعقاد المجمع الفاتيكاني الثاني (1962 – 1965) الذي دما إليه البابا يوحنا الثالث والعشرون. لقد شكّل هذا المجمع منعطفاً في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، إذ نادى بكنيسة فقيرة وخادمة كسيدها، كنيسةٍ ليست موجودة من أجل ذاتها، بل "من أجل حياة العالم" (يوحنا 6: 51). (كان هذا التحوّل انقلاباً على ما ألفته الكتلكة في تاريخها، حيث كان همها الأول الحرص على كيانها الذاتي كمؤسسة قائمة والدفاع عن سلامته ولو اقتضى ذلك إهمال أوضاع العالم وغض النظر عن المظالم التي تفتك به. وكان ذلك قد تجلى مثلاً في فترة ليست بالبعيدة، عندما هادنت الكتلكة في ألمانيا، بشكل عام، النازية، رغم احتقارها للإنسان الآخر، وسكتت اجمالاً عن جرائمها ضد الإنسانية، في حين انه، لما تصدّى ذلك النظام العرقيّ الشرس لحقوقها المؤسساتية في بافاريا، عرفت كيف تقاومه بنجاح[I]).
2- مؤتمر مدلّين والتزام "لاهوت التحرير" في أميركا اللاتينية
وجاء مؤتمر مدلين Medellin، سنة 1968، وقد عقده أساقفة أميركا اللاتينية، امتداداً لمواقف المجمع الفاتيكاني الثاني. تبنى هذا المؤتمر مبادئ "لاهوت التحرير"، الداعي إلى ترجمة الإيمان المسيحي نضالاً من أجل تحرير الفقراء واعطاء هؤلاء الأولوية في اهتمامات الكنيسة، وأدى إلى التزام العديد من المسيحيين في أميركا اللاتينية، بوحي من إيمانهم، قضية تحرير المحرومين والمظلومين، والى تصدّيهم بالتالي للدكتاتوريات العسكرية السائدة في معظم بلدان شبه القارة حينذاك، والمتسترة وراء أيديولوجية "الأمن القومي" (أي حماية الوطن من الشيوعية) وأدّعاء "الدفاع عن الحضارة المسيحية"، من أجل تثبيت امتيازات الملاّكين الكبار والمتنفّذين الباهظة، ومن ورائها مصالح البلاد الغنية المستغلة وشركاتها الناهبة لثروات العالم الثالث. وقد سُجن آلاف المسيحيين واختُطفوا وعُذّبوا واغتيلوا، ومنهم أساقفة وكهنة ورهبان وراهبات.
3 – الالتزام المسيحي لقضية الإنسان في فرنسا
في فرنسا، كان المجمع الفاتيكاني الثاني ملهماً لعدد متزايد من الكاثوليك للنضال من أجل مجتمع لا يقيَّم فيه الإنسان بموجب ما يملك بل بموجب كرامته كشخص إنسانيّ وابن لله. هذا ما أدى إلى كسر المعادلة التقليدية بين الكثلكة والمحافظة السياسية والى دفع العديد من الكهنة (خاصة الشباب منهم) ومن المنتسبين إلى المنظمات الكاثوليكية، خاصة العمالية منها: JOC وACO، إلى التزام الخيار الاشتراكي، وقد لعب هؤلاء دوراً ملموساً في تجديد الحزب الاشتراكي الفرنسي الذي كان قد ابتعد عن منابعه الأصلية (إلى حد مساهمة حكومة غي مولّيه الاشتراكية في حملة عدوانية على مصر سنة 1956، احتجاجاً على تأميم قناة السويس!)، وفي الكنيسة دفعه إلى اعتماد سياسة اشتراكية فعلاً. وقد كتب اللاهوتي الكاثوليكي الفرنسي الكبير ايف كونغار، أحد رواد المجمع الفاتيكاني الثاني كما سبق وأشرنا، كتب بهذا الصدد سنة 1973:
" (إن الخيار الاشتراكي) هو من الآن فصاعداً خيار عدد كبير من المسيحيين، من علمانيين وكهنة. إن في هذا لحدثاً ذا أهمية تاريخية (...) إن هذا التحول للكنيسة الرسمية إلى جانب المظلومين والصغار سوف يكون، في نظر التاريخ، إحدى سمات الكنيسة التي ما بعد المجمع."
Yves Congar: Vingt ans d’Eglise. Vingt ans d’I.C.I. Une Eglise vivante, P. 10, Informations Catholiques Internationales, Paris, No. 434, 15 Juin 1973, PP. 3- 12.
4 - الالتزام المسيحي لقضية الإنسان في الولايات المتحدة
في الولايات المتحدة، التزم عدد من الكهنة والرهبان والراهبات سنة 1968، بقيادة الأخوين الكاهنين فيليب ودانيال برّيغان Berrigan بمناهضة الحرب الأميركية ضد شعب فييتنام، وذلك باسم الإنجيل. أحرقوا رمزياً بالنابالم (ذاك الذي كان الطيران الحربي الأميركي يحرق به القرى الفيتنامية) دفاتر التجنيد الإجباري، فقُدموا إلى المحاكمة حيث تطوّع للدفاع عنهم عدد من أبرز المحامين، ومنهم المدّعي العام السابق رمزي كلارك. (راجع: كهنة وراهبات أميركيون وراء القضبان، جريدة "الأنوار"، 24 كانون الثاني 1972، ص 7).
5 – مراجعة للنظرة الماركسية إلى الدين
هذا الانقلاب في موقف المسيحيين الذي أعادهم إلى جذورهم الإنجيلية، دفع بالمقابل العديد من الشيوعيين إلى إعادة النظر في العقيدة الماركسية التـي تعتبر الدين "أفيونا" للشعب". هذا ما تجلى مثلاً في مواقف أحد كبار منظري الحزب الشيوعي الفرنسي، روجيـه غارودي، (راجع مثـلاً كتاب De L’anathème au dialogue، والمقال الذي نعت فيه المسيح بأنه "محرر التاريخ من قيود الحتمية")، وفي المحاورات التي أخذت تجري بين مفكرين مسيحيين وماركسيين؛ وفي قرار الحزب الشيوعي الإيطالي – أكبر الأحزاب الشيوعية الأوروبية – بالتخلي عن الموقف الإلحادي كعقيدة للحزب.
II – على الصعيد اللبناني: اختراق متزايد للطائفية وتحسس متعاظم لمسؤولية المسيحيين حيال التحرر والتنمية
1 – ظاهرة المطران جورج خضر
وقد تميز المطران جورج خضر، على هذين الصعيدين، إن بصفحاته النبوية على صفحات جريدة "لسان الحال"، أو بتدريسه الحضارة الإسلامية في الجامعة اللبنانية.
2 - ظاهرة المطران غريغوار حداد
وقد تميز المطران غريغوار حداد بتأسيسه "الحركة الاجتماعية"، وهي حركة تنمية يساهم فيها متطوعون من كل الطوائف في خدمة "كلّ إنسان وكل الإنسان". وقد أقيل سنة 1974 من رئاسة أبرشية بيروت للروم الكاثوليك بسبب مواقفه التحررّية، وبتهمة الخروج عن الإيمان. وقد أثارت هذه الإقالة ضجة كبيرة وقامت مجابهة عارمة ومنظّمة لها في صفوف كنيسة الروم الكاثوليك. وقد أسس سنة 1974 مجلة "آفاق"، التي أصدرت ملفًا حول " الالتزام السياسي والإيمان" ساهم فيه المطران جورج خضر والمطران غريغوار حداد (راجع "آفاق"، السنة الثانية، العدد 11، كانون الثاني 1975، ص 6 إلى 26). ودعا المطران غريغوار إلى التزام المسيحي للتغيير السياسي بوحي من إيمانه، قال:
"إن كل مجتمع مؤلف من سلطة حاكمة ومن محكومين، فإذا كان تغيير الوضع القائم من أجل خدمة الأكثرية المحرومة لا يتمّ إلا بواسطة العمل السياسي، فالمسيحي المؤمن والمنطقي يجب أن يلتزم بالتغيير السياسي لأن إيمانه يدعوه إلى إزالة الظلم الواقع على أي إنسان". (محاضرة ألقاها في كلية العلوم في الجامعة اللبنانية أمام حشد من الطلاب. راجع جريدة "النهار" 4/2/1975، ص 4).
3 - ظاهرة الأب هكتور دويهي
(هذا الكاهن الشاب، الذي اشتهر بتمييزه بين "كنيسة الحجر" و"كنسية البشر")، مارس تأثيراً تحريرياً واسعاً وعميقاً، في أحد معاقل الإقطاعية، على الشباب (الذين كانوا يزدحمون للاستماع إلى أحاديثه الدينية) وقد عوقب من قِبَل السلطة الكنسية المارونية (بمنعه من التعليم – وهو ما اضطره إلى الهجرة).
4 - ظاهرة نداء دير يسوع الملك
في أواخر الستينات عقد، في دير يسوع الملك، اجتماع ضم كهنة ورهباناً وراهبات وشباباً علمانيين ملتزمين، ينتمون إلى الجناح المنفتح في الكنسية المارونية، المتأثر بمناخ المجمع الفاتيكاني الثاني، وقد شاركهم عدد من أعضاء حركة الشبيبة الأرثوذكسية (ومن بينهم نديم طرزي ومود نحاس). وقد صدر عن الاجتماع بيان نادى بنهاية الكنسية - المعقل وبتبني المسيحيين لقضايا المنطقة العربية. أحدث هذا البيان خضّة في الرأي العام الماروني واللبناني.
5 – صدور ملف "كنسيتنا على المحكّ"
وفي سنة 1969، صدر ملف بعنوان "كنسيتنا على المحك"، بنصين، أحدهما باللغة العربية صدر، بالعنوان المذكور، عن جريدة "الجريدة" والآخر باللغة الفرنسية، بعنوان Notre Eglise en question صدر عن جريدة L’Orient . كان الملف امتداداً لاجتماع دير يسوع الملك وقد حوى مقالات لعدد من الحركيّين.
ثالثا": خط المسار الحركيّ في اكتشافه المتزايد للبعد السياسي للإيمان
في الستينات، وفي الإطار العام الذي حاولنا رسم بعض معالمه، بدأ التحسّس للبعد السياسي للإيمان يتعاظم ويتسارع في الحركة، انطلاقاً مما نصّت عنه المبادئ الحركيّة منذ التأسيس (راجع المبدأ الرابع) وفي ضوء التحوّلات التي كان يشهدها العالم والمنطقة والتطوّر الحاصل في صفوف المسيحيين أنفسهم عالمياً ومحلياً.
1 – الباكورة : الاهتمام بقضايا العمل والعمال.
كانت باكورة هذا التحسس هي الاهتمام بقضايا العمل والعمّال. وقد بدأ هذا الاهتمام يبرز منذ الخمسينات مع إيجاد "شعبة العمال" التي كانت تحظى باهتمام خاص. وقد برز من بين مظاهر هذا الاهتمام الاحتفال بعيد العمل حركياً، فاتخذ هذا العيد المدني (الذي وُضع أصلاً لتخليد ذكرى عمال دفعوا، في مثل ذلك التاريخ، دمهم ثمناً لمطالبتهم بحقوقهم المهدورة) مناسبة لإبراز المعاني المسيحية للعمل من جهة، وللمناداة بإحقاق حقوق العمال وتحريرهم من الاستغلال ولدعوتهم إلى الانخراط في العمل النقابي من جهة أخرى، راجع بهذا الصدد:
· كوستي بندلي: العمل مفديّ بالتجسد (مجلة "النور"، 15 حزيران 1964، ص 161 – 162). وهي كلمة رئيس مركز طرابلس آنذاك في احتفال شعبة العمال بعيد العمل.
· نديم حيدر: المسيحي والعمل (مجلة "النور"، نيسان وأيار 1965، ص 112 -113). وهي كلمة نديم حيدر في احتفال شعبة العمال بعيد العمل في تلك السنة، الذي تجدون وصفًا له في العدد نفسه من "النور"، ص 127.
(هذا وتجدر الإشارة إلى أن الحركة في الميناء، بفضل وجود الأب جورج خضر كاهناً في الميناء في ذلك الحين، توصلت إلى جعل الاحتفال بعيد العمل يتحوّل إلى عيد كنسيّ يقام فيه قداس على نية العمّال تُدعى إليه الرعية، وضع نصوص خدمته الأب جورج خضر، وتليه مائدة محبة على شرف العمّال).
2 – دور جورج صوري في هذا الميدان
وقد لعب جورج صوري (الأب جورج صوري في ما بعد) دوراً بارزاً في هذا الميدان. إذ ترأس (وكان شاباً يعمل في التبليط) شعبة العمال في الميناء فترة من الزمان، فظهر قيادياً حركياً ونقابياً بآن، وثق به زملاؤه عمال البناء فانتخبوه أمين صندوق لنقابتهم. وقد لعب دوراً بارزاً في إحياء النقابة المذكورة وتنقيتها من شوائبها وكان مثاله قدوة لسواه من العمال الحركيّين دفعتهم إلى الإقدام على الالتزام النقابي.
3 – الأبحاث الاجتماعية الصادرة عن حركيين بين 1962 و1965
(وقد صدر عن حركيين، بين 1962 و1965، أبحاثٌ تناولت مواضيع اجتماعية عولجت في ضوء الإيمان والتراث الكتابي والآبائي، أذكر منها:)
· الأب جورج خضر: الفقر والغنى في الكتاب المقدس (مجلة "النور"، 31 تشرين الأول 1962).
· الأب جورج خضر: الفقر والغنى عند الآباء (مجلة "النور"، تشرين الثاني 1962).
· كوستي بندلي: المسيح والعنف (مجلة "النور"، 30 حزيران 1962).
· اسبيرو جبور: المسيح والفقراء. أقوال الآباء (مجلة "النور" آذار 1965)
(كان قد صدر، بهذا الصدد: باسيليوس الكبير: العظة السادسة على الإنجيل.
"ضد الغنى"، "النور"، 30 نيسان 1962).
· سنة 1962، بدأ الأب جورج خضر يكتب في جريدة "لسان الحال" البيروتية، مقالات أسبوعية بتوقيع "وائل الراوي" كان يتعرض فيها لكافة قضايا الساعة وينقل عبرها فكراً اجتماعياً من وحي الإنجيل.
· سنة 1965، شارك الأب جورج خضر والأستاذ ألبير لحّام في محاضرات "الندوة اللبنانية" التي كان يديرها الأستاذ ميشال أسمر في بيروت، وكان يشارك فيها نخبة من رجال الفكر والدين والسياسة... وقد صدر لهما في مجلة "محاضرات الندوة" المقالان التاليان:
§ الأب جورج خضر: المسيحية والقضايا الاقتصادية والاجتماعية، مجلة "محاضرات الندوة"، النشرة 8-11، 1965.
§ الأستاذ ألبير لحام: العدالة السياسية في المسيحية، المجلة نفسها، النشرة 11-12، 1966.
4 – دراسة نقدية منفتحة للماركسية في الحركة (بدءاً من 1965)
وكان لا بد للحركة، في سياق بناء فكرها الاجتماعي، من مواجهة الماركسية التي كانت في الستينات محطّ أنظار العديد من المفكّرين، عالمياً ومحلياً، والتي كانت تحمل آمال التحرّر لمئات الملايين من الفقراء والمقهورين. وقد تميزت المواجهة الحركيّة للفكرة والخبرة الماركسيَّين، بتمسّك بالإيمان مقرون بانفتاح على الماركسية، على مواطن الحق والخير فيها، لا بل وبانتقاد للممارسات المسيحية التاريخية في ضوء هذا الحقّ وهذا الخير.
وقد بدأت مواجهة الماركسية هذه تتبلور في الحركة حوالي 1965، إذ كان العديد من شباب الحركة – ومن الجامعيين منهم بنوع أخصّ – يتوقون إلى تكوين موقف من الماركسية واعياً ومسؤولاً، ينطلق من معرفة موضوعية لها تترافق مع تجذّر في إيمانهم، خاصة وإن البعض منهم كانت تستهويهم الماركسية بنواحيها العلمية والإنسانية وتطرح على إيمانهم أسئلة جذرية – ومن المساهمات الحركيّة في هذا الميدان أذكر:
· الأرشمندريت الياس مرقص: حول الشيوعية، "النور"، أيلول 1965، ص 208-213، و"النور"، تشرين الأول 1965، ص 242 – 251 (هذا المقال كان في الأصل، على ما أذكر، محاضرة ألقاها الأب الياس مرقص في إطار اللقاء السنوي للطلاب الحركيّين الذي كان يُعقد في الصيف في كلية البشارة في بيروت لعدة سنوات).
· حوالي 1965 أيضاً، ألقى كوستي بندلي حديثاً في أحد اللقاءات الطلابية الحركيّة العامة (جرى في دير بكفتين على ما أذكر) عن الماركسية والإيمان (راجع أيضاً: كوستي بندلي: الله والفكر البشري، "النور"، أيلول 1965، ص 198 – 207، و"النور"، تشرين الأول 1965، ص 230-236) اتخذ منطلقاً لكتابه الصادر سنة 1968، عن منشورات النور، بعنوان "اله الإلحاد المعاصر"، وكان اكثر من نصفه مخصصاً لدراسة بعنوان "اله ماركس واله المسيحيين". هذا الكتاب – الذي صادف رواجاً واسعاً بفضل حسن تسويقه من قبل دار النهار للتوزيع، وكان لفترة بين الكتب الأكثر مبيعاً في مكتبات بيروت، وكتبت عنه العديد من الصحف، وحُدّد مرجعاً لطلاب إحدى الجامعات – كان، باعتقادي، رائداً في المنطقة من حيث منهجه (وهذا ما نوّهت به المقالات النقدية التي كتبت عنه) إذ لم يُكتب بالروح الجدَلية المألوفة في مثل هذه المواضيع بل كان حوارياً يحاول مخلصًا أن يستلهم حقائق الماركسية ليتصدى بها للانحرافات الفكرية والسلوكية التي تشوّه راهناً إيمان المسيحيين.
· في هذا الحوار مع الفكر المعاصر، كان الأب حورج خضر، كالعادة، قد رسم لنا الطريق، وذلك بمقال افتتاحي كتبه في مجلة "النور" في مطلع 1965 وشكّل منعطفاً في المسار الحركيّ. كان المقال بعنوان "المطلاّت الأربعة"، وقد فصّلها الكاتب على الوجه التالي: الإنسان المعاصر، المشكلة الاجتماعية، الإسلام، وحدة الكنيسة ("النور"، شباط 1965، ص 33-37).
5 – احتفال الحركة بيوبيلها الفضيّ (1967)
احتفلت الحركة سنة 1967 باليوبيل الفضي لتأسيسها (1942 – 1967). وقد كان هذا الاحتفال – الذي تصادف تاريخه مأساوياً مع تاريخ الهزيمة التي زلزلت المنطقة وغيّرت مجرى تاريخها – كان هذا الاحتفال محطة هامة في تطور الفكر الحركيّ الالتزاميّ:
أ – شعار اليوبيل:
فقد اختار الأب جورج خضر، الأمين العام للحركة آنذاك، شعاراً لليوبيل، هذه الآية الكتابية المعبّرة: "ونادوا بتحرير في الأرض لجميع أهلها، فيكون لكم يوبيلاً" (لاويين25: 10).
ب – الحفلة الخطابية في بيروت (1 حزيران 1967).
في أول حزيران 1967، أقيمت، بمناسبة اليوبيل، حفلة خطابية في الجامعة الأميركية في بيروت برعاية البطريرك ثيودوسيوس السادس وحضور ثلاثة مطارنة (صور وصيدا، اللاذقية، زحلة وبعلبك) وثلاثة أساقفة وعدد كبير من رجال الاكليروس والنواب والقضاة ومحبي الحركة.
· تليت في مطلع الحفلة رسالة من البطريرك تحمل بركته وثناءه، مع المجمع المقدس، على الحركة ومنجزاتها.
· ثم تكلم المطران اغناطيوس زيادة، رئيس أساقفة بيروت الماروني، معبراً عن عمق تقديره ومحبته للحركة.
· كلمة جورج ناصيف: ثم تكلم الأخ جورج ناصيف باسم الأجيال الصاعدة، شاهداً، بعبارات مؤثرة، على ما حققته الحركة من تجدد في حياته الشخصية وفي الكنيسة. ومما قاله:
"كيف نعلّم المسيحي أن درب السماء تمرّ من هنا، في الأرض، وأن ديانته لم تكن يوماً هرباً وانعزالية ووهماً وتخديراً أو جمودًا؟..."
· كلمة الشاعر أدونيس: وتحدث الشاعر أدونيس (علي أحمد سعيد)، فكانت شهادته مؤثرة جداً لأنه حاول، وهو غير مسيحي، أن يتقمص شخصية المسيحي في لبنان، فيعبّر عن تأرجحه بين دعوة السيّد من جهة وبين قوقعية النظام الطائفي الذي يقسّم السيّد ويحجّمه فيبعد المرء عن المسيح بإبعاده الناس بعضهم عن بعض، ويدفعه في متاهات المال والاستئثار بخيرات الأرض وإغلاق القلب دون المحتاجين والجياع والمتشرّدين، فيصبح المسيحي على هذا المنوال مشاركاً في قتل المسيح. ولكن المسيح، بين الحين والحين، يثور فيّ، يقول أدونيس بلسان هذا المسيحي المتأرجح، مصوراً بروعة فعل هذه الثورة:
"ويرسخ في يقيني (...) أن المسيح فعل مغيِّر، فعل في العالم ولكنه يتجاوز العالم. وأن كفاحي الأول ليس في هجر العالم أو التخلي عنه، بل في إعداده وتجديده (...) أن عليَّ كمسيحي، أن أحتضن العالم، أتبناه ذرّة ذرّة، وأشيع فيه الروح والألوهة. فلا أقدر أن أتجاوز العالم إلا بدءاً من إنغراسي فيه..."
وينهي أدونيس كلمته بعبارات يختلط فيها الحزن بالأمل:
"أنا الآن موجود بقوة الطائفة وراء البوابة المغلَقَة. المسيح نفسه موجود طوائف طوائف، ثمة في جبال لبنان ضوء ينطفئ. فالمسيحية، كفعل ينقذ العالم، غير حاضرة في لبنان"
"شخص ليس مسيحياً تحدث عن المسيحيين. لا من خارج، بل من داخل، لا في زاوية بل على منبر. في هذا علامة تشهد لتوهّج المحبة في حركة الشبيبة الأرثوذكسية. تشهد كذلك لتوهّج الغاية والعمل. تجد الآخر البعيد عنها قريباً إليها. إنها فعل إيمان يتجاوز مدارها، إنها تخاطب علياً كما تخاطب ايليا."
"على هذه الحركة أطرحُ السؤال التالي: كيف أبني بالمسيح لبنان وهذا الشرق؟ كل سؤال غيره ثانوي. الأسئلة كلها بعده نابعة منه. ولكنني فيما أعيد هذا السؤال، في ذات نفسي، وأنتظر صداه، أشعر أن حركة الشبيبة الأرثوذكسية، أن أمينها العام، جواب مشرقيّ يشهد للنور ويلتهب."
(راجع مجلة "النور"، 8 آب 1967، ص 305 – 312).
6 – أصداء هزيمة حرب حزيران 1967
بعد ذلك باربعة أيام نشبت حرب حزيران 1967 بين إسرائيل والعرب وآلت إلى هزيمة مفجعة للقضية العربية في وجه الصهيونية. أحدثت الهزيمة هزّة لدى الشباب الحركيّين (أذكر توافدنا على مركز الصليب الأحمر في طرابلس للتبرّع بالدم). وأثار بروز المقاومة الفلسطينية إثر الهزيمة مزيداً من الاهتمام بعدالة القضية الفلسطينية في صفوف الحركيّين وكان من تعابير هذا الاهتمام:
أ – صدور كتاب الأب جورج خضر، "فلسطين المستعادة" (1969)، ومعظمه مقالات كانت قد صدرت بهذا الموضوع في جريدة "لسان الحال" (راجع عرضاً لهذا الكتاب بقلم ايلي قطرميز، في مجلة "النور"، آب 1969، ص 186 -189).
ب – المشاركة الناشطة للحركة في المؤتمر العالمي لنصرة فلسطين الذي دعت إليه جريدة Témoignage Chrétien الباريسية وعقد في بيروت مساندة للقضية الفلسطينية، بعنوان Chrétiens pour la Palestine.
7 – وثائق في الفكر الاجتماعي المسيحي صدرت عن حركيين عامَي 1968 و 1969.
بين 1968 و1969 صدرت عدة وثائق كتبها حركيّون كان لها أثر في دفع الفكر الحركيّ الاجتماعي إلى الأمام. أذكر منها:
· كوستي بندلي: بعض مظاهر التزام المسيحيين الاجتماعي في أيامنا ("النور"، شباط 1968 وآذار 1968).
· الأب جورج خضر: القيامة لمن يقضي بالعدل ويجعل في الأرض إنصافا ("النور"، نيسان 1968).
· نديم حيدر: الإيمان دافع إلى التزام الأرض ("النور"، نيسان 1968).
· الأب إبراهيم سرّوج: باسيليوس الكبير والقضية الاجتماعية ("النور"، أيار وحزيران 1968).
· شفيق حيدر: أرضي أين أنتِ من السماء؟ ("النور"، آذار 1969).
· كوستي بندلي: الطائفية. رأي مسيحي (منشورات النور، 1969).
8 – أثر كتاب جان ماري بوبير: "من أجل سياسة إنجيلية"
سنة 1965 صدر عن منشورات Prïvat في فرنسا كتاب لمفكّر مسيحي يدعى جان ماري بوبير Jean-Marie Paupert، بعنوان "من أجل سياسة إنجيلية" Pour une politique évangélique، وما لبث أن أعيد طبعه في مجموعة واسعة الانتشار Livre de vie صادرة عن Editions du Seuil.
أثار هذا الكتاب ضجة بسبب طروحاته الجريئة، إذ أنه، مع حرصه على التمييز بين مجال الله ومجال السياسة، كان يؤكد على ضرورة التزام المسيحي، فرداً وجماعة، بخط سياسي واضح المعالم، وإن كان غير واضح التفاصيل، يستلهم إيمانه بالإنجيل. ومن سمات ذلك الخط، كما يرى المؤلف، التصّدي للظلم والوقوف إلى جانب المحرومين. إلى حدّ أن الكاتب كان يطالب الكنيسة بأن تفصل عن عضويتها هؤلاء الذين يمارسون الظلم والاستغلال كما اعتادت أن تفصل أصحاب البدع.
وصلنا الكتاب في طبعته الواسعة الانتشار الآنفة الذكر، حوالي 1968، وكان له أثر كبير عند من إطّلع عليه من أعضاء الحركة، إن في نصّه الفرنسيّ الأصليّ أو في التلخيص الذي وضعه كوستي بندلي له باللغة العربية واستنسخه الأب إبراهيم سرّوج. لذا نجد أن هذا الكتاب لعب دوراً في مباحثات حلقة إهدن الحركيّة صيف 1968.
9 – حلقة إهدن (صيف 1968)
في صيف 1968، عُقدت، في أحد فنادق إهدن، "حلقة لإعداد المسؤولين" بدعوة من الأمانة العامة للحركة. استغرقت الحلقة عدّة أيام وكان أحد مواضيعها البارزة "الحركيّ والتزام شؤون الأرض". صدرت عن الحلقة مسودّة وثيقة حوت حصيلة مناقشات اللجنة التي تدارست هذا الموضوع. وكانت المسودّة بعنوان "الحركيّ والتزام شؤون الأرض - التساؤلات المبدئية حول الالتزام السياسي والثورة الاجتماعية". حاولت المسودّة اعتماد خطّ متوازن بين خطّ "الطهريّين" الذين كانوا ينزعون إلى فصل كلّي بين الإيمان والسياسة، حرصاً منهم على نقاوة الإيمان وسلامته وتمايزه عن أمور السياسة، وخط "السياسيّين" الذين كانوا ينزعون إلى تجاهل التمايز الضروري بين الصعيدين الإيماني والسياسي (ذهب أحدهم إلى حد القول بحماس في جلسة من جلسات الحلقة: "ماذا يبقى من الأرثوذكسية إذا ضاعت القدس؟") حرصاً منهم على تجسيد الإيمان وترجمته فاعلية في الأرض. باعتقادي أن الخط الأول كان ينحو، من حيث لا يدري، إلى نوع من النسطورية الفكرية (فصل اللاهوت عن الناسوت)، في حين أن الثاني كان ينحو لا شعورياً إلى ضرب من الأريوسية الفكرية (تغييب اللاهوت في الناسوت). أما المسودّة، فقد اعتمدت، بتقديري، خط العقيدة الأرثوذكسية الخلقيدونية، أي تأكيد الاتحاد بين اللاهوت والناسوت في المسيح (وبالتالي في الرؤيا المسيحية للوجود)، "دون انقسام أو انفصال، أو تحوّل أو اختلاط"، على حدّ التعابير الدقيقة التي صاغها المجمع المسكوني الرابع سنة 451.
وفي ما يلي تلخيص للمسودّة المذكورة:
أ - يعلن الإنجيل أن ملكوت الله يتجاوز كل نظام سياسيّ.
ب - ولكنه يُلزم المسيحي بمبادئ اجتماعية عامة، ومنها نبذ سيادة المال في المجتمع ووجوب الوقوف إلى جانب المحرومين والمعذَّبين.
ج - الالتزام بهذه المبادئ يقتضي التزاماً سياسياً بالمعنى الواسع لهذه العبارة، أي بمعنى المساهمة في تنظيم المجتمع وتغيير هيكلياته بحيث يصبح أكثر إنسانية.
د - هذا العمل على تغيير الأنظمة بغية أنسنتها يمكن أن يتخذ أشكالاً مختلفة لم تتطرّق المسودّة إلى البتّ في مدى صلاحيتها من وجهة نظر مسيحية، ولكنها استبعدت اللجوء إلى العنف إلا إذا اتضح أنه أهون الشرَّين.
هـ - لا بدّ للمسيحيين من اتخاذ "مواقف نبوية" تفضح الظلم في المجتمع الذي يعيشون فيه، خاصة إذا تستّر هذا الظلم بالدين. هذا وينبغي لهم أن يقرنوا جرأة الموقف النبوي بالبصيرة التي تعطيها دراسة رصينة للأوضاع السياسية والاقتصادية.
10- أقترح أن تقف الحركة كجماعة – وليس أفرادها وحسب – مواقف نبوية من هذا النوع، ولكن الأمر لم يُبتّ به بسبب ضيق الوقت.
11 – ندوة عقدها مركز طرابلس حول "الحركيّ والتزام شؤون الأرض" (1969)
في 25 أيار 1969، وفي إطار اجتماع عام في بيت الحركة في الميناء، وضمّ أعضاء الحركة في الميناء والبلدة، عقدت ندوة حول موضوع "الحركيّ والتزام شؤون الأرض"، قادها كوستي بندلي، المسؤول آنذاك عن الإرشاد في مركز طرابلس، وشارك فيها كل من الأب إبراهيم سرّوج، ممثلاً شعبة البلدة، ميشال ديبو، ممثلاً شعبة العاملين في الميناء، نديم حيدر، والأب جورج خضر. لخّص كوستي بندلي مضمون مسودة إهدن ثم أدلى ممثّل كل من الشعبتين المذكورتين بخلاصة مداولة الشعبة التي يمثّلها حول هذه المسودّة. وقد برزت من خلال عرض التقريرين المعروضين النقاط التالية:
أ – من واجب الحركيّين أن يلتزموا شؤون الأرض ليجسدوا فيها مبادئ الإنجيل الاجتماعية، ومنها إبطال سيادة المال، مكافحة الظلم، الوقوف إلى جانب معذَّبي الأرض الذين وحّد المسيح نفسه بهم.
ب – الشكل الذي يتخذه هذا الالتزام يُترك لحرية كل من الحركيّين.
ج – تربّي الحركة أعضاءَها على التزام المبادئ الاجتماعية الإنجيلية العامة.
د – يُستبعَد اللجؤ إلى الثورة الدموية إلاّ إذا اتّضح أنها الحلّ الوحيد وأهون الشرَّين.
هـ - وافقت الشعبتان مبدئياً على أن تقف الحركة كجماعة، مواقف نبوية في ما يتعلق بالأوضاع الاجتماعية الراهنة، إلا أن شعبة البلدة أبدت تحفّظ بعض أعضائها الذين رأوا أن لا تتعاطى الحركة السياسة كجماعة لئلا تُطبع بطابع سياسي معيَّن.
وقد تلت تلاوة التقريرَين مناقشة عامة برزت عبرها النقاط التالية:
أ – بشأن الالتزام السياسي عامة:
* نُوّه بضرورة الاطّلاع الرصين على القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وأقتُرح أن تقام حلقات في الحركة لهذا الغرض، وذلك لكي يأتي الالتزام واعياً ولكي يتحصن الحركيّون ضدّ كل استغلال لحماسهم من قِبَل محترفي السياسة.
** نُوّه بضرورة ربط الالتزام السياسي بالحياة الروحية
*** أُشير إلى أولوية التزام قضايا محيطنا المباشَر، عبر العمل في رابطات الطلاب وفي النقابات المهنية.
ب – بشأن شهادة الحركة كجماعة:
* أشير إلى صعوبة تقديم حلول للمشاكل الاجتماعية دون معرفة واسعة لهذه الأمور قد لا تتوفر لدى الحركيّين، من هنا أن المواقف "النبوية" التي قد تتخذها الحركة ينبغي أن تكون في الأساس مواقف اعتراضية وفقاً لجوهر الموقف النبوي.
** أبدي تخوّف من تعطيل حرية الشخص الحركيّ عِبر إلزامه بموقف جماعيّ على الصعيد السياسيّ، مع التأكيد على أن الحرية، كما يقول الرسول، ينبغي أن لا تكون "فرصة للخطيئة" (غلاطية 5: 13).
*** نوّه بضرورة اشتراك الحركة مع سواها إذا ما اتخذت مواقف جماعية في السياسة، وذلك حفاظاً على شمولية العمل السياسيّ.
**** في آخر المطاف "اتضح أن موضوع الالتزام الحركيّ الجماعي في قضايا السياسة يحتاج إلى المزيد من الدراسة، خاصة في ما يتعلّق بإيضاح الأشكال التي قد يُدعى لاتخاذها".
خلاصة وتعليق
تلك هي الخطوط العريضة (أو على الأقلّ ما ألممتُ به منها وتذكّرته) للمسيرة الحركيّة التي انطلقت، في ما وصفناه من إطار عالمي ومسيحي، فأدت إلى إصدار "وثيقة التزام شؤون الأرض" في المؤتمر الحركيّ الثاني عشر المنعقد في كانون الأول 1970.
إنها مسيرة غنية ولا شكّ، تستحق مزيداً من الدراسة والتوضيح كي يتاح لنا أن نستلهم على أكمل وجه ما اتّسمت به من إخلاص في السعي، وما حصّلته من مكتسبات دخلت في صلب التراث الحركيّ، ولو كان يكتنفها اليوم بعض النسيان، ولكي نستفيد أيضاً مما ساورها من عثرات.
أود في ختام هذه اللمحة التاريخية أن أشير إلى إحدى هذه السلبيات، التي كان لها، برأيي، أثر مؤثّر على مستقبل المسيرة التي نحن بصددها، أعني الالتباس الذي بقي محيطاً بموضوع شهادة الحركة كجماعة في الميدان السياسي.
******
تذكرون أننا قد وصلنا سنة 1969، في الندوة التي عُقدت في طرابلس امتداداً لحلقة صيف 1968 في إهدن، إلى أن "موضوع الالتزام الحركيّ الجماعي لقضايا السياسة يحتاج إلى المزيد من الدراسة". وقد كان هذا، برأيي، توجيه حكيم. ولكن المؤسف أن الدراسة التي دعت الحركة نفسها إليها، لم تتمّ، على الأقل حسب معلوماتي، فقد بقيت مجرد أمنية طيبة. فكان هذا الإغفال بمثابة ثغرة لا يُستهان بها في سياق فكرنا الاجتماعي. ولم تسدّ "وثيقة التزام شؤون الأرض" هذه الثغرة (رغم كونها أضفت طابعاً رسمياً على التزام الحركة للشأن العام، إذ صدرت عن الهيئة التشريعية العليا في الحركة)، ولم يكن بالإمكان، برأيي، أن تسدّها، لأن همّ الذين طرحوا مشروع الوثيقة وناصروه في المؤتمر الثاني عشر كان مقتصراً على إقناع هذا الأخير بإقرار الحد الأدنى من الالتزام الاجتماعي، الذي كان بوسع أكثرية المؤتمرين أن يوافقوا عليه، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الموقف المتحفظ جداً حيال هذا الموضوع الذي كان بادياً لدى عدد من المشاركين في المؤتمر (خاصة من بعض المراكز).
هكذا (وفي غياب تلك الدراسة المعمّقة التي رُصدت ولم تتمّ) بقي موضوع احتمال اتخاذ الحركة، كمجموعة، مواقف سياسية في بعض الظروف، موضوعاً مكتنفاً بالأشكال، مما كان له باعتقادي، أثران سلبيان أفصّلهما في ما يلي:
1 – الانتقاص من جدّية الالتزام الحركيّ لشؤون الأرض.
فقد بقي هذا الالتزام، إلى حد بعيد، لدى الأكثرين، مجرد أفكار وتوق، ولم يتخذ شكل التزام راهن على الأرض إلا عند القلائل. في حين أن وقوف الحركة جماعياً وقفة واحدة ضد بعض المظالم (ماذا كان يمنع مثلاً أن تقف الحركة – مع هيئات أخرى: مسيحية وغير مسيحية – موقفاً اعتراضياً واضحاً وصريحاً ضد الاحتكار – خاصة احتكار الأدوية – مسمّية الأشياء بأسمائها؟) كان من شأنه أن يوقظ ويحرّك الحسّ الاجتماعي وروح المسؤولية الإنجيلية حيال مشاكل المجتمع لدى الكثيرين (الذين، في ظل الحذر السائد من الأحزاب السياسية، لم يكن لهم باب آخر لدخول السياسة غير هذا الباب)، وأن يشكّل تربية بالغة الفعالية لهم في هذا الميدان وأن يساهم في فرز الذين كانوا يعنون ما يقولون من حيث التزام شؤون الأرض من الذين كانوا يوافقون على تلك المبادئ على صعيد ذهنيّ أو عاطفيّ بحت أو لمجرد المجاملة ليس إلاّ.
2 – الانقسام في صفوف الحركة بين "الطهريّين" و"السياسيّين"
ففي حين أن الالتزام الحركيّ الجماعي الفعلي حيال قضايا راهنة، كان من شأنه، لو حَصَل، أن يضبط هؤلاء وأولئك (من جراء تفاعلهم بعضهم مع بعض على أرضية التزامية مشتركة)، فيحمي الأولين من نزعتهم إلى الترفّع عن السياسة (وينقذ طهرهم من العقم)، ويقي الآخرين من الغرق فيها وإفراغها من بعدها الإلهي وأفقها الأخروي، كان غياب هذا النمط من الالتزام مدعاة لتطرف كل من الطرفين (في غياب جامع مشترك راهن لهما) ولغلوّه في التوغّل في خط نزعته الخاصة. فـ"الطهريون " كفروا عمليًا بالسياسة (ولو لم يعوا ذلك بوضوح) وأعرضوا عنها بالفعل، بحجة أولوّية الروح، متجاهلين أنهم كانوا يساندون بالحقيقة بإحجامهم هذا،من حيث لا يدرون، الأوضاع السياسية القائمة، بكل عفنها وقذارتها، ويتواطئون معها من حيث لم يقصدوا، أي أنهم غارقون بالفعل، ولو أبَوا، في أدهى شكل من أشكال السياسة، ألا وهي السياسة التي لا تفصح عن اسمها. أما "السياسيّون"، فقد قادهم غلوّهم (في غياب الضابط الحركيّ الكليّ لهم) إلى التماهي بالتيارات السياسية ذات الاتجاه العلماني البحت أو حتى المعادي للدين والى الابتعاد تدريجياً، وربما من حيث لم يقصدوا، عن الممارسة الإيمانية الراهنة (وهل يصمد الإيمان طويلاً بدون ممارسة تترجمه وتغذيه؟). هذا الانقسام المأساوي تجلى بشكل بارز ومتفجّر في الأزمة التي هزّت مركز بيروت على عتبة الحرب اللبنانية، وقد ازدوجت واستفحلت بصراع بين الأجيال، إذ نشبت بين جيل الشباب الذي كان ينادي، بشكل أحاديّ الجانب، بأولوية السياسة، وجيل القادة، الأكبر سناً، الذي كان ينادي، بشكل أحادي الجانب، هو أيضاً، بأولوية الروح، وكما يجري عادة في هذه الحالات، أدّى احتدام الصراع إلى تمادي كلّ من الطرفين في طروحاته، وانسياقه إلى أبعد مما كان يوّد الذهاب إليه أصلاً، وبالتالي إلى تعميق الهوّة بينهما.
وقد نتج عن هذا الصراع الذي نشب أصلاً في بيروت، كما ذكرت، ولكن أصداءَه وآثاره امتدّت، باعتقادي، إلى الحركة عامة (على الأقلّ إلى طرابلس)، نتج عنه تصدّع خطير في مركز بيروت الذي كان في ذلك الحين طليعياً في الحركة، خاصة على صعيد الفكر، كما جعله يواجه، ضعيفاً، المأساة اللبنانية الرهيبة التي كانت على الأبواب. كما نتج عنه ابتعاد شباب لامعين، واعدين، عن الحركة، وبالتالي عن الكنيسة، ولو أنهم احتفظوا بسمات إيمانية رافقتهم في التزاماتهم وقادت بعضهم إلي العودة إلى الإيمان في ما بعد... وأخيراً لا آخراً فقد ساهم هذا الصراع، برأيي، في إعادة الجماعة الحركيّة بمعظمها، ومن باب رد الفعل، إلى ذلك التحفظ المتطرّف من السياسة الذي كانت قد بدأت تتخطّاه، ولو بِخَفَر، في العقد السابق. وكان لا بد للحرب اللبنانية بما رافقها من شراسة و"قذارة" أن تدعم هذا التراجع وتعمّقه.
09/09/1992
[I] نقل الكاهن المفكّر الفرنسي جان فرنسوا سيس عن الأب ايف كونغار Congar الذي كان بفكره الجريء وعودته إلى الأصول، أحد رواد المجمع الفاتيكاني الثاني، رأيا بالغ الأهمية عن فحوى المجمع المذكور. قال: "لقد رأى كونغار في فاتيكان الثاني ردّ فعل صحّيًا حيال توجه صميم كان غالباً في الكنيسة، ألا وهو التأكيد، في شخص المسيح، (...) على الألوهة وحدها على حساب إنسانيته (...) هذا التوجّه حمل المسيحيين على اللامبالاة بالأرض والجسد والقضايا الاجتماعية وعلى اتخاذ السماء وجهة نظرهم الوحيدة". راجع
J.-F.SIX: Le Chant de L’amour, Eron dans la Bible, DDB/Flammarion, Paris, 1995, p.p. 230-231
(أضيف في 4/10/1998)