كلمة عيد الحركة طرابلس 2021

 رينيه أنطون - أذار 2021


حين أعلمَتني الأخت رئيسة المركز بهذا الّلقاء، تـساءلتُ عمّا يدفعنا الى إحياءِ عيدِ الحركة، وإن بالشكل الذي تفرضُه الظروف، وقتَ تحوط بحياتنا الـصعوبات الجمّة مـن كـلّ صوبٍ وجِهة، ويـُشغَل الـكلّ بـتأمـين أدنى مـتطلّبات الـصحّة والعيش والاطمئنان الـى المصير. فـكانَ الـجواب، الـذي تُلهمني إيّاه المناسبة، أنَّ كلّما جرّبتنا المِحن والمخاطر، وتفاقَم انعكاسُ خطايانا البشريّة فـي حياتنا وأصعدتها، كـان الـلجوءُ إلـى مكامِن الرجاءِ الكبير بـالله والفَرحِ بالخلاص به هو المسارَ الآمن.

فالحركةُ مكمنٌ لهذا الرجاء ومـشغلٌ للفرح، لأنّ مَن نَصبوا ركائزَها فينا، وأسّسوا للمسيح في قلوبنا، فاضَ رجاؤهم به وسـط صعوباتٍ فاقَت صعوباتِ حياتنا، اليوم، ومِحَنٍ فاقت ما نعيشُه من مِحَن. فشخَصوا إلى الرب متخلّين، ليس عن شأنٍ إنسانيّ في الأرض وهمٍّ، بل عن مُغرياتِ دنياهم وأهواءِ نفوسِهم، وصاروا هياكلَ تتغذّى من تعزيات السماء في الإنجيل، لا يُتعِبها جهادٌ، ولا تُرهِبها توبةٌ، ولا تُغريها فضّةٌ، ولا تأخُذها أمجادٌ، ولا تُسحرها مواقعٌ. وحدَه المسيح، بجنبه المطعون وروعةِ تخلّيه معلّقاً على الصليب، كان الشوقَ، لديها، والفرحَ والرجاء والغايةَ والقدوة وشخوصَها القيامي، ليختزلَ هـذا المشهدُ، في رؤيتها، كلَّ النِعم وأثمنَ العطايا.

لذلك يا أحبّة، إنْ عيّدنا اليوم فإنّما لغايةٍ واحدة، لكي نلجأ وسطَ ظلمة زمَننا إلـى أن يَفعَلَ إيمانُ المؤسّسين فينا، فنَهزِمَ عتمةَ اليوم بالنور. "فالإيمان هـو الثقة بما يُرجى" يقول كاتبُ الرسالة الى العبرانيّين. وحركة الشبيبة الأرثوذكـسية هي الثقة بغلبةِ كلّ ظلمةٍ، وهي الـشغف بتخلّي يـسوع. هذا على الرجاء.

يا إخوة،

لا يسـتوي سـعينا الـى شـغفِ كبارنا بالرب من دون أن نـسعى لنُحِبّ كلَّ مَن لأجله كان فـداءُ الربّ، وبخاصّة اليوم، من دون أن نُحبَّ العالم في مصاعِبه ومآسيه. ولا يستوي حبُّنا للعالم من دون أن نُشرِكَه في ما وهَبنا الله من خيار خلاص، فنشدّه إليه عبرَ أن نمدّ فيه جسدَ إلهنا "علامةً لملكوته وصورةً له". فيكون علامةً لعدلٍ لا يعرفه، وحقٍّ يجهله، وحُكمٍ بكتابٍ يختلف عمّا به يُحكَم من كتب.

هـذا الحبّ العاكس لمحبّة الله يحتاجه عالمنا اليوم فاعلاً فيه لأنه مُنهَكٌ من تحكّم الشر بالمتسلّطين عليه، مأزومٌ بعنفِهم وظُلمِهم وجشعِهم، ومُثقَلٌ بضعفاءٍ يُسحَقون ويُعبَث بانسانيّتهم وحقوقِهم. الشهادة الأفعل لإنجيل يسوع، اليوم، هي في أن تتظهَّر بنا هذه المحبّة فننزِعَ عنا، نحن جماعةَ المؤمنين، رتابة ترجماتنا الحياتيّة لها، ومراوحةَ الخطاب، وعتاقة الإطلالات والاهتمامات ليلمسَ العالم، عبرنا، ما هـو أجدّ وأفعل. ليلمسَ أنه بنكهات الإنجيل يكمن خلاصُه من محنِه. أنّه بها، إن عبقت فـيه، يذوقُ العيش في مملكةٍ يـتصدّرها المُتخلّون، ويموتُ حاكمها عن أبناء شـعبه ليحيا الـشعبُ دون موت. فكلّ أزماته يا أحبّة، كلّ أزمات العالم، الصحية منها والـسياسـية والاقتصادية والاجتماعية، ومنها تلك التي نعيشُها في بلادنا، والتي أثمرت مــا أثمرته من موتٍ وإفقارٍ ودمارٍ وإفسادٍ ونهبِ حقوق، منبَعُها الأوّل أنَّه يفتقد إلى حكّام يولدون مِن رحمِ الحق، يحبّون شعوبهم، ويعشقونها حتّى المصلوبيّة. ومنبعها الآخر أنّه يفتقد "صوتًا للفقراء، حرّاسـًا لكرامتهم "و"أنبياءً" يذكّرون الحكّام بمكامِن العدل ويوم الدينونة، وإرادة الله منهم، وهوما نحن، الكنسيّين، مدعوّون إليه اليوم.

يا اخوة،

غاية الشهادة للمسيح أن تُغدِق محبّتَه على البشر، فتفرح قلوبهم به وتطمئن نفوسهم إليه وتخطو الى الخلاص به. وهذه لا تكون ما لم تتفاعل الشهادة بجديّة ومشاكلَ الانسان لنزع ارتدادات الشر، وأسبابه، عنه.

ما سعينا إليه عبر تاريخنا من أن "نقول حبّ الربّ" لمَن حولنا، وخاصةَ في السنة هـذه الأخيرة، وما تجلّى من تعبٍ وغَيرَةٍ رسوليّين لدى الشباب، ولدى مراكز وفروع ومؤسّـسات وهيئات كنيستنا لمداواة جروحٍ انـسانيّة في هذه المحطة من مآسـينا أو تلك، كلّها وجهٌ طيّب من وجوه هذه الشهادةِ وأسـاس لها، وحروفٌ نافرة من "فعلِ المحبة" المنشود. لكنها لا تختزل الـشهادة ولا الفعل. فجديّة المحبّة الالهيّة، وجذرية الانجيل، أرحب وأعمق، ولا يكمل تجلّيهما فينا بغير ان نلتزم "الـنبوّة" الصارخة بقواعد حكم الملكوت فـي الارض. هـذا ليس حلمًا وليس لغوًا. فلنا فيه، عبر التراث المكتوب لقادة لنا وسيرهم فـي نطاق هذه الشهادة، تعليمٌ راسخٌ ومُثُلٌ كثيرة، كما عِبر العديد من أوراقٍ وكتاباتٍ حركيّة أخرى. هذا شأننا ككنيسة في العالم، شأن السادة الأسـاقـفة والكهنة والشمامسة، وشأننا كأبناء، وشأن الرهبان، أيضًا، عبر صلاتهم من أجل العالم. هذا شأن كل "الأبناء". المهمّ أن نبقى، ونحن في خضمّ شهادتنا، أبناء. أن نذكر أنّنا، فقط، لله وأننا مرآةُ إلانجيل. فلا ننزلق، فيها، الى أن نكون "من العالم"، وللعالم، وكالعالم. أن نذكر، وكلّ منّا اليوم امتلَك موقعَه الاعلاميّ، أنّ الاطلالة بالانجيل، إن كانت هي حقيقة إطلالتنا، لا تحمل التفاهة أو السفاهةَ أو الهزءَ أو الخبثَ أو التحاملَ أو التجريح، ما يتعارض وجديّة الانجيل ونقاوتَه ورقيَّه وصدقَه. المهمّ، وأختم بهذا الذي ختمت به كلمتي بهذه المناسبة في العام 2006، "أن نلج هذا الشأن من باب السماء لا من باب الأرض"،أي ليس من باب الشخوصِ إلى أن تنتصر انفعالاتُنا وغرائزُنا الشخصية، السياسية والمجتمعية، وإنّما إلى "أن ينتصر الإنسان في أيّة جماعةٍ كائنةً من كانت"، الـى ان ينتصر الحق. وهذا ما يقتضي، تحصينًا لشهادتنا من أي انحراف، أن تُفتتح وتواكَب وتتوّج بالصلاة، باستدعاء الربّ للحضور فيها.

على هذا الرجاء، أدعكم في حمايةِ الرب، وكلّ عام وانتم بخير.

 __________

🅡 ألقيت في اللقاء الذي دعا إليه مركز طرابلس لمناسبة عيد الحركة 79 (لقاء افتراضي بسبب وباء الكورونا)