وثيقة العمل الرعائيّ - قراءة في الظروف

 رينيه أنطون - 7 تمّوز 2026

حلقة الثقافة الرعائيّة - 2


قراءة في الظروف الكنسيّة والحركيّة والمجتمعيّة التي أحاطت بصدور الوثيقة عام 1970

ما يدفعني إلى هذه القراءة أمران ملفتان.

أوّلهما إدراج موضوع الالتزام الاجتماعي والنضال ضد الفقر والظلم والاستغلال في صلب الوثيقة والعنوان الرعائيّ، رغم أنّ الهويّة العامة للوثيقة هي كنسيّة رعائيّة حيث توسّعت كثيرًا في تفاصيل تتعلّق بهذا الصعيد. ولم ينحصر ورود الهاجس المجتمعيّ في ما أنطلقت منه الوثيقة من تحديد أبعاد النهضة المرتجاة في الشخص الحركيّ فقط، وإنّما تخطّاه إلى الكلام عن قبولنا التمزّق الناتج عن الحضور في العالم دون أن نكون منه، والاشارة إلى أنّ المؤتمر الثاني عشر الذي أقرّ الوثيقة عام 1970 قد رسمَ خطوط الفكر الاجتماعي والسياسي للحركة. وهو الأمر الذي يشير إلى إصدار المؤتمر، ذاته، لوثيقة التزام شؤون الأرض.

وثانيهما، ما توحيه الوثيقة من كوننا على عتبة مرحلة كنسيّة وحركيّة جديدة ، وحال تفاؤليّة، من خلال بعض أفكار وردت فيها، كالاستفادة من أخطاء الماضي لتأسيس أشكال عمل جديدة، والاشارة الى "الرعاة الجدد"، وتظهير كون الحركة خليّة وخميرة في الكنيسة وتأسيس فسحة "رعائيّة" لتطبيق ما تحلمه من افكار، وفرصة التقرّب من سائر المؤمنين، وصولاً إلى التواصل مع الرعاة لتأسيس مراكز حركيّة جديدة.

في البُعد المجتمعيّ:

لا تختلف الحركة عن سائر مكوّنات المجتمع لناحية تأثّرها به وتأثيرها فيه، فهي إبنة محيطها، وأعضاؤها وقياداتها هم أبناء هذا المحيط. ما لا يمكننا تجاهله من ظروف، وانعكسَ على الحركة  ليشكّل مرحلة هامّة في تاريخنا هو الآتي:

في العام 1967، قبل انعقاد المؤتمر الثاني عشر بثلاثة سنوات، وهو المؤتمر المُصنّف الأهمّ في ضمائر بعض الأخوة، نشبت حرب العام 1967، والتي أدّت إلى هزيمة عربيّة واحتلال الصهاينة لأراضٍ عربيّة جديدة، وسائر أراضي فلسطين، وعُرفت "بنكسة 1967".

خلّفت هذه النكسة حالةَ احباط وسط الشباب العربي، ومنه الشباب اللبناني، وتململَ من الواقع السياسي القائم  ورفض له. كما أدّت إلى نموّ تأثير المقاومة الفلسطينية، التي كانت قد انطلقت منذ سنوات قليلة، وأصبحت بنتيجة "النكسة" المسؤولة عن الشعب الفلسطينيّ وقضيّته، في الشرائح الشبابيّة، وزيادة حالة الالتفاف حولها. وهذا ما انعكس تصاعدًا في حالة نهوض شبابيّ، سياسيّ مطلبيّ، وتحرّكات، طلابيّة جامعيّة خصوصًا، نادَت بدعم قضية فلسطين وقضايا العدالة الاجتماعيّة، وما يختصّ باستكمال تأسيس كلّيات الجامعة اللبنانيّة، بحيث أثمرت هذه المطالبات بعض الأحيان.

كان من الطبيعيّ أن يتأثّر بعض شباب الحركة، في حينه، بهذا الأجواء السائدة خصوصًا في مركز بيروت، والذي كان من المراكز الأساسيّة والحيويّة في الحركة وقريبًا من الناحيّة الجغرافيّة من مركز هذه الأحداث. وبدأت مطالبات من هذا البعض بدورٍ للحركة يكون أكثر وضوحًا وانخراطًا في الشأن العام دفاعًا عن قضايا العدالة وقضيّة فلسطين. فكانَ الشأن الذي أثار جدالاً أو خلافًا حوله في المركز، انعكس، أيضًا، جدالًا في بعض مراكز أخرى. وهذا ما دفع إلى طرح هذا الموضوع بشكل موسّع وعميق في المؤتمر المذكور العام 1970، واصدار وثيقة بهذا الشأن، هي "التزام شؤون الأرض".

انطلاقًا من هذا، يمكن أن نقرأ ورود العنوان المجتمعيّ في وثيقة العمل الرعائيّ كتأثّر بهذه الأجواء "الضاجّة" التي كانت تُحيط بالمؤتمر، وتأكيد، من الحركة، بأنّ أيّ اهتمام وتعاط لنا في هذا الشأن، وأي شأن وعنوان آخر، ومهما كان بُعده أو قربه من العنوان إلايمانيّ، فانما ينبع من كونه ترجمة لالتزامنا الايمانيّ، وبُعد من أبعاد آفاقه الراعية والمحتضنة ليس قطّ لمن يشاركنا الايمان والقضيّة، وإنمّا لكلّ من يشاركنا الحياة، وتطرحه علينا الحياة من قضايا.

ما يجدر ذكره  أنّ بعضًا من هؤلاء الشباب، ورغم ما قالته الحركة في هذا المؤتمر، على صعيد التزام الشأن العام، ابتعد عن الحياة الحركيّة وتوجّه نحو المشاركة في تجمّعات ذات هويّة إيمانيّة سياسيّة واضحة استمرّت لفترة زمنيّة قصيرة. 

في الحال الكنسية الرعائيّة:

إلى هذا الحراك، شهد العام 1970، محطات هامّة عنَت الحركة بشكل كبير سبق بعضها، وترافق بعضها الآخر مع انعقاد المؤتمر. ففي شهر شباط، تمّ انتخاب الأب جورج خضر مطرانًا على أبرشية جبل  لبنان. وهو كان من المؤسّسين الفاعلين للحركة، وأمينها العام لمدة 16 سنة، وذو تأثير كبيرٍ فيها ووهجٍ خاص. فكانَ الحدث الذي اعتبره الحركيّون، عامّة، من الأهميّة بحيث يكون فاصلاً بين مرحلة ما قبله ومرحلة ما بعده، وقادهم إلى التفكير والآمال بامكانيّة أن يُحصر السعي إلى النهوض بحياة الكنيسة بـ "فوق"، والمقصود عبر المجمع المقدّس. وهذا ما كانت له انعكاسات لاحقة على الدور الكنسيّ للحركة، وأثار فيها نقاشات تستمرّ إلى اليوم حول صوابية أو عدم صوبيّة هذا التفكير وتلك الآمال. 

أيضًا، في أيلول، تمّ انتخاب المطران الياس معوض بطريركًا (الياس الرابع). فكانَ أيضًا حدث بشّر بمرحلة كنسيّة ناهضة، لجرأة البطريرك ومواقفه وأفكاره، والتي كانت تلاقي في كثيرٍ منها طروحات النهضة وتوجّهاتها. وللمناسبة،  تذكر جريدة النهار في تقريرٍ عنه نشرته في 10 آب 2017، أنه، وإلى حين انتخابه بطريركًا  1970، كان قد نشر في مجلة النور الحركيّة 66 مقالة منها 48 مقالة معرّبة.

التوجّه الأوّل للبطريرك المنتخب كان السعي إلى حلّ الأزمات الانقساميّة التي برزت في العقد الأخير[i]، (هي أحد مواضيع جلساتنا اللاحقة) وما يتعلّق منها بأبرشيّة اللاذقية، والذي خلاصته أن البطريرك هزيم، والذي كان أيضًا من الوجوه القياديّة الوامضة في الحركة، كان قد أنتخب مطرانًا على اللاذقية سنة 1966، حيث كانت الحركة داعمة لانتخابه، ولم يتمكن من دخول الأبرشية إلى ذلك الحين بسبب تلك الأزمات، حيث تسلّم الأبرشية في كانون الأول من العام 1970، وقبل انعقاد المؤتمر بأيّام. والتوجّه الآخر الهام للبطريرك كان تبنّيه "لثقافة" المشاركة في الكنيسة ودعوته إلى إشراك الشعب الأرثوذكسي في إبداء الرأي بما يتوجّه المجمع إلى إقراره من قوانين رعائيّة[ii].

فاستنادًا إلى ما سبق، يمكن أن نقرأ التوثّب الرعائيّ "الجديد"، الذي يطبع الوثيقة بوضوح، كنتيجة لما تركه  انتخاب الياس الرابع بطريركًا، وضمّ المجمع المقدّس لقامَتين حركيّتين في حينه، هما المطران جورج خضر والبطريرك أغناطيوس هزيم، من شعورٍ "بانتصار" خطّ النهضة وبداية تحقيق الأهداف الرعائيّة. فهل تحقّقت الأهداف فعلًا؟ قد تكون الاجابة عن هذا السؤال، بحدّ ذاتها، موضوعًا.



[i]كتاب "أنطاكية بين أزماتها وشعبها الحيّ" للأخ شفيق حيدر

[ii]المرجع ذاته