فصلٌ شريف مِن تاريخٍ مكتوبٍ بأقلامِ أبناء الحقّ

 رينيه أنطون - 20 حزيران 2026


لذكرى شهداء كنيسة مار الياس، الدويلعة - دمشق

في اليومِ الثاني والعشرين من حزيرانَ عام 2025، في مدينةِ القديسين دمشق، وفي بيتٍ لله ليسَ ببعيدٍ عن شارع بولس المُستقيم، أُعفيَ قومٌ من المثولِ أمامَ عرشِ إلههم وارتفعوا! وتمَّ ذلك في ملحمةِ حبٍّ، كان السلاحُ فيها دمًا مسفوكًا.

يومها عمَّ الحزنُ والخوفُ والذهولُ مَن طعنَ المشهدُ قلوبَهم. ضجّت بلدانٌ وكنائسُ وشعوبٌ، وتنادوا إلى التضامن مع الكنيسة التي ظُنَّ لهم أنها مُصابة، كنيسةِ المسيح في دمشق. لم تكن الحقيقة قد بانَت بعد. كان دخانُ مركبة السماء لا يزال يتصاعد من أرض الملحمة، جاليًا معه المعفَون لتنصيبهم على عرش القديسين، وجارفًا بقايا الحقد، الموهوم بالانتصار، لرميها في الجحيم. وكانت شجاعةُ الأنبياء، التي سطّرها في أرض الملحمة أحياءٌ ومرتفعون معًا، لا تزال محجوبة.

بعد حين، انجلت الرؤية، وبانَت الحقيقة وحلَّ الضياء. مسحت يدُ المسيح الدموعَ من العيون، وبلسم حنانه الجروحَ وشفى النفوس، وأودع الله في الضمائر الإجابةَ عن التساؤل الذي غرسه الحدثُ في الوجدان:

لِمَ كانت هذه الملحمة اليوم؟

لم يكن الجواب ما ظُنَّ للموهومين من أن غدرهم سيُبطل إيمان قومٍ ويصدّهم عن تلبية نداء الروح الذي به يؤمنون. ولم يكن ما اعتقدوه من أن إجرامهم سيدفع بهؤلاء المغدورين إلى خلع رداء الكرامة عنهم، واستجداء حماية هذا أو ذاك من الناس.

فقد فاتَهم أن الجماعةَ المستهدفة مولودةٌ من أرحامٍ لا تُحْبَك أجنتُها بغير ما هزَّ الكونَ وزلزل الأرض يومًا من صلبٍ وقيامة. فاتَهم أن مكوّناتها وجوهٌ لا يرتاح فيها يأسٌ ولا يستقرّ فيها حزنٌ، وأنه إنْ غمرَت الدموعُ عيونَها يومًا، فإنها تسقي فيها سنابلَ فرحٍ نصبَها وعدُ إله. فاتَهم أن أبناءها ينشدون الإدمان على "حبٍّ قيل بالدم"، على صورة إلهٍ مصلوبٍ شغفًا بأرضٍ كالسماء؛ أرضٍ الحقُّ دستورها، الفداء قانونها، المظلومون قضاتها، والحرية هواؤها.

فلِمَ كانت الملحمة إذًا؟

لأن هذا الإدمان في الأبناء تفجَّر يومها في بعضهم إقدامًا. حضرت في ضمائرهم أيقونةٌ ولوحة: أيقونةُ مصلوبين في الشرق، كسيّدهم، يملأون بدمائهم كؤوس الحقّ، ولوحةُ أجسادٍ مقطّعة في أرض مسيحهم، بها يُبنى السلّم للمظلومين إلى قمم العزّة. فجُنّوا حبًّا، وسارعوا إلى إحياء المشهد ورسم اللوحة بحبر السماء في الأجساد. فهم أبناءُ الناصريّ، وهم، كمعلّمهم، هكذا يحبّون!